أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {مَعَ الْخَوَالِفِ} قال: "مع النساء".
وقال مجاهد وقتادة والضحاك: "الخوالف: جمع خالفة، وهي المرأة التي تخلفت في البيت، والنساء خوالف لقعودهن في البيوت وتخلفهن عن الغزو؛ وقيل: الخوالف من كان عاجزاً من الصبيان والزمنى والمجانين؛ فرضي هؤلاء المنافقون الأصحاء الأغنياء بأن يلحقوا بمراتب النساء والعجزة!".
حقيقة الطبع على القلوب:
قال ابن كثير: "{وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ} أي: ختم الله على قلوبهم بسبب نفاقهم وتخلفهم، {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} أي: لا يدركون ما في الجهاد من الخير والكرامة والعزة في الدنيا والآخرة، وما في التخلف عنه من الخزي والهوان والذل والعذاب الأليم".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
اشتقاق "الخوالف" ووزنها:
الخوالف: جمع خالفة (على وزن فَاعِلَة)، وهي المرأة التي تخلف وراء الغزاة في المنازل؛ وجُمعت فاعلة على فواعل مثل: ضاربة وضوارب، وطالعة وطوالع. وتأنيث الجمع هنا مقصود لذاته لإلزامهم بصمة العار والمهانة بالتشبه بالنساء في القعود والتخلف.
الإعراب المفصل:
"رَضُوا": فعل ماض مبني على الضم، والواو ضمير متصل فاعل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقريع النفسي الشديد بسلب الرجولة والمروءة: بعد أن حكى طلبهم في الآية السابقة: {وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ}، كشف هنا حقيقة هذا الطلب وسوء اختياره؛ فهم لم يقعدوا اضطراراً بل "رضوا" باختيارهم أن يكونوا كالنساء الخوالف، فجردوا أنفسهم من النخوة والمروءة الإيمانية.
الربط بين خسة الهمة وانطماس البصيرة: رتب الطبع على القلوب بالفاء على رضاهم بالدون: {رَضُوا... وَطُبِعَ... فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ}؛ فكلما رضي الإنسان بالدناءة والنكوص سلب الله منه نور الفهم وسد عليه أبواب الحكمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة رمي القرآن للمتخلفين بالجهل مع ما عرف عن بعضهم من دهاء تجاري وسياسي: كيف يصفهم بأنهم {لَا يَفْقَهُونَ} وهم كبار سادة يثرب وأصحاب أموال وتجارات واسعة؟
الدفع والمحاكمة العقلية:
الفقه في القرآن ليس مجرد المهارة الدنيوية في حساب الأرباح وجمع الدنانير أو الحيل السياسية العابرة؛ بل الفقه الحقيقي هو إدراك حقائق الوجود والغاية من خلق الإنسان، والموازنة بين الفاني والباقي.
فأي فقه وأي عقل لمن يجمع الملايين ليتركها لورثته، ويشتري راحة جسد تدود في القبر بساعات، ثم يلقي بنفسه في عذاب الجحيم خالداً مخلداً؟! هذا هو قمة السفه والعمى الفكري، وصدق الله: {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ}.
البناء للمجهول في {وَطُبِعَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ}: للعلم بالفاعل وهو الله جل جلاله، وللإشعار بأن الختم تم بقوة قاهرة نافذة لا مرد لها، فتحولت قلوبهم إلى حجارة صماء مغلقة عن كل نور وهداية.
التعبير بالرضا في {رَضُوا}: يثبت عليهم الحجة التامة؛ فالإنسان لا يُعاقب على ما أُكره عليه، لكنهم قعدوا عن رضى وطمأنينة واستحباب للدنيا على الآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استنهاض معاني الرجولة والشهامة في نصرة الحق: تربي الآية أبناء الأمة على الترفع عن القعود والتشبه بالعجزة والضعفاء، وأن يكون المسلم مقداماً في ميادين البناء والعطاء والتضحية.
الحذر من الركون إلى الدعة: الركون إلى الراحة وترك المسؤوليات الدينية تدريجياً يورث قسوة القلب حتى يُطبع عليه؛ فالنجاة في مجاهدة النفس المستمرة وحملها على معالي الأمور.