أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج البخاري في صحيحه (رقم: 369)مصدر غير محددحديث رقم ٣٦٩ ومسلم (رقم: 1347)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٤٧ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الحجة التي أمّره عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع في رهط يؤذنون في الناس يوم النحر: «أَنْ لَا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ». وأخرج الترمذي وحسنه (رقم: 3090)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٩٠ وأحمد في المسند (رقم: 593)مصدر غير محددحديث رقم ٥٩٣ عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت براءة بعث بها مع أبي بكر، ثم دعاه فقال: «لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُبَلِّغَ هَذَا عَنِّي إِلَّا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي»، فدعا علياً فأعطاه إياها، فخرج عليّ على ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم العضباء حتى أدرك أبا بكر، فقال أبو بكر: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور، فسارا حتى أتيا مكة، فقام عليّ يوم النحر عند الجمرات فنادى بآيات براءة: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله عهد فهو له إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
ذكر الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 111)جامع البيانالطبري١٤/١١١: هذا إعلام من الله جل ثناؤه لجميع المشركين الذين كانت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم عهود بنقض تلك العهود والبراءة منها؛ لأنهم نقضوها وظاهروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأعانوا أعداءهم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 103)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٠٣: هذه الآية الكريمة ومطلع هذه السورة المباركة نزلت بإنهاء الهدنة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والمشركين، ونبذ عهودهم إليهم على سواء، بعد أن قوي الإسلام وتمكن في جزيرة العرب وظهر دين الله.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 65)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٦٥: البراءة هنا هي المفاصلة وقطع العصمة والعهد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم صالح قريشاً عام الحديبية على وضع الحرب عشر سنين، فنقضت بنو بكر عهدها بمساعدة قريش، ونكثت طوائف من العرب عهودها، فأنزل الله براءة قاطعاً لكل حبل مع الشرك.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 328)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٢٨: هذه براءة صادرة من الله ورسوله إلى جميع أصناف المشركين المعاهدين؛ تبرؤاً من عهودهم وإسقاطاً لحقوق الأمان لمن خان وغدر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
بَرَاءَةٌ: مصدر بَرِئَ يَبْرَأُ بَرَاءً وبَرَاءَةً، وأصل المادة يدل على التباعد والتخلص والمفاصلة وزوال الاتصال، ومنه برئ من المرض إذا فارقه، وبرئ من الدين إذا سقط عنه وسلِم من المطالبة. والبراءة هنا: التبرؤ الشرعي القاطع للعهود والأمان.
عَاهَدتُّم: المفاعلة من العهد، وهو الميثاق المؤكد والشرط اللازم الذي يلتزمه الطرفان؛ وأصله حفظ الشيء ومراعاته ورعايته زمناً بعد زمن.
الْمُشْرِكِينَ: جمع مشرك، من أشرك بالله إذا جعل معه شريكاً في ربوبيته أو إلهيته أو أسمائه وصفاته، واللام تفيد الجنس، والمراد هنا المشركون الذين كانت لهم عهود مع النبي صلى الله عليه وسلم.
الإعراب التفصيلي:
بَرَاءَةٌ: مبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وساغ الابتداء بالنكرة لأنها دالة على التنويع ولما فيها من معنى العموم والتهويل، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هذه براءةٌ).
مِّنَ اللَّهِ: جار ومجرور نعت لـ براءة، أو متعلق بالبراءة لما فيها من معنى الانفصال والصدور.
وَرَسُولِهِ: الواو عاطفة، رسوله معطوف على لفظ الجلالة مجرور بالكسرة، والهاء ضمير متصل مضاف إليه.
إِلَى الَّذِينَ: إلى حرف جر، الذين اسم موصول مبني في محل جر متعلق بالبراءة أو بنعتها المحذوف.
عَاهَدتُّم: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع، والتاء فاعل، والميم للجمع، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، والعائد محذوف تقديره عاهدتموهم.
مِّنَ الْمُشْرِكِينَ: جار ومجرور في محل نصب حال من العائد المحذوف، أو بيان لـ الذين. وخبر المبتدأ (براءة) محذوف تقديره: واصلةٌ إليهم، أو حاصلة، إن جعلت براءة مبتدأ.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على تنوين بَرَاءَةٌ بالرفع، وقرئ في الشواذ بالنصب على المصدرية بفعل محذوف تقديره (الزموا براءةً).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مطلع السورة وانقطاع البسملة: افتتحت السورة بكلمة {بَرَاءَةٌ} الصريحة دون بسملة؛ لتلقي في قلوب السامعين الروع والمهابة، وتعلن قطيعة حاسمة مع الوثنية؛ فكان الحذف النظمي للبسملة أبلغ دلالة على معنى السخط الإلهي ونبذ العهود.
الاتصال مع ختام سورة الأنفال: ختمت الأنفال ببيان أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، وأن الكافرين بعضهم أولياء بعض، ثم أوجبت نصرة المسلمين إلا على قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق؛ فجاءت فاتحة التوبة لتبين مصير تلك المواثيق مع المشركين بعد أن نكثوا وخانوا، وتعلن إسقاطها على رؤوس الأشهاد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نقض العهود بلا مبرر والغدر بالمشركين:
يزعم المستشرقون والمشككون أن الإسلام في هذه الآية أمر بنقض العهود بصورة فجائية وغادرة بعد أن استقوى المسلمون، متخلين عن مواثيقهم السابقة.
الرد والمحاكمة التاريخية والعقلية:
القاعدة القرآنية في المعاهدات لا تقبل الغدر بحال: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ} (الأنفال: 58). والنبي صلى الله عليه وسلم لم يباغتهم بحرب ولم يغدر، بل أرسل البراءة لتتلى علناً في مجمع الحج الأكبر بحضور كل القبائل.
البراءة لم تنزل ابتداءً لنقض عهود الموفين، بل للمشركين الذين نقضوا عهودهم وأعانوا قريشاً وبني بكر على خزاعة حليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما سيأتي استثناء الموفين صراحة في الآية (4): {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ}.
البراءة أعطت المشركين مهلة أربعة أشهر كاملة للأمان والتفكير {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ}، فأين هذا من الغدر والمباغتة؟ إنه أسمى مراتب الشرف العسكري في إعلام الخصم وإنهاء الهدنة المعلولة.
التنكير في قوله {بَرَاءَةٌ}: تنكير تعظيم وتهويل؛ ليدل على عظم شأن هذا التبرؤ وفخامة أثره، وأنه براءة قاطعة لكل صلة وشائبة شرك.
إسناد البراءة إلى الله ورسوله: {مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}؛ لبيان أن هذا القرار الدستوري والسياسي ليس رأياً بشرياً مجرداً، بل هو تشريع صادر عن العليم الحكيم صاحب الملك والتدبير، ونافذ بتبليغ رسوله الأمين.
الالتفات في الخطاب: في قوله {عَاهَدتُّم} التفات من الغيبة في مطلع الآية إلى خطاب المؤمنين، لتذكيرهم بمسؤوليتهم الجماعية عن تلك العهود، وأن ما عقده النبي صلى الله عليه وسلم والأمة هو التزام ينفذ بأمر الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وضوح الراية والمفاصلة العقدية: لا يجوز للدولة المسلمة ولا للمسلم أن يظل في حالة غموض أو موالاة مع من ينكث العهود ويحارب الدين؛ فالوضوح وإعلان المبادئ أصل في السياسة الشرعية.
التجرد لله ولرسوله: الولاء والبراء لا يبنى على المصالح الضيقة، بل يتبع أمر الله ورسوله؛ فإذا حكم الله ببطلان عهد وجب الامتثال والتسليم.