وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
التاج النبوي الخالد في خاتمة سورة براءة:
هذه الآية الكريمة والآية التي تليها هما مسك الختام لسورة التوبة، وأعظم نص قرآني في وصف المحامد والشمائل النبوية المحمدية الشريفة وعظيم رحمته بأمته.
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: لقد جاءكم رسول من أنفسكم، رقم 4679)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٧٩ عن زيد بن ثابت رضي الله عنه في قصة جمع القرآن في عهد أبي بكر الصديق وعثمان بن عفان رضي الله عنهما قال: "فتتبعتُ القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف وصدور الرجال، حتى وجدتُ آخر سورة التوبة مع خزيمة بن ثابت الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ * فَإِن تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ...} إلى آخر السورة".
تفسير السلف للنعوت النبوية الأربعة العظيمة:
{مِّنْ أَنفُسِكُمْ}: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: أي من جنسكم ومن قومكم ومن أوسطكم نسباً وأعربكم لساناً؛ تعرفون صدقه وأمانته ووفاءه وطهارة مولده من لدن آدم إلى أن ولدته أمه لم يصبه شيء من دنس الجاهلية؛ كما قال ﷺ: "إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم".
{عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}: العَنَت: المشقة والجهد والهلاك؛ أي يَشُقّ عليه ويعزّ على قلبه ونفسه الشريفة كل ما يشق على أمته ويعنتها ويصيبها بالضرر في دنياها وأخراها؛ ولهذا قال ﷺ: "بُعثتُ بالحنيفية السمحة".
{حَرِيصٌ عَلَيْكُم}: حريص على هدايتكم، وتوبتكم، ودخولكم الجنة، ونجاتكم من النار، وسداد أحوالكم؛ كما في الحديث الصحيح: "مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد ناراً فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحُجَزِكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي!".
{بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}: سمّاه الله تبارك وتعالى باسمين من أسمائه الحسنى، ولم يجمع هذين الاسمين لنبي غيره تشريفاً وتكريماً؛ والرأفة شدة الرحمة ودفع المكروه، والرحمة إيصال الخير والإحسان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
القراءات المتواترة في {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} و{مِنْ أَنْفَسِكُمْ}:
قرأ القراء العشرة المتواترون: {مِّنْ أَنفُسِكُمْ} بضم الفاء؛ جمع نَفْس؛ أي من جنسكم وبشر مثلكم ومن عشيرتكم تعرفون أصله ونسبه.
وقرأ ابن محيصن وفاطمة الزهراء وعائشة وابن عباس وعلي بن أبي طالب في المتواتر والشاذ الثابت: {مِّنْ أَنْفَسِكُمْ} بفتح الفاء؛ أفعل تفضيل من النَّفَاسَة والشرف؛ أي من أشرفكم نسباً وأعظمكم قدراً وأطهركم أصلاً.
دلالة "عَزِيزٌ عَلَيْهِ" و"مَا عَنِتُّمْ":
عَزِيزٌ: أي شاق وصعب؛ مأخوذ من عزّ الشيء إذا اشتد وصعب نيله.
"ما" في {مَا عَنِتُّمْ}: مصدرية؛ أي يشق عليه عَنَتُكُم ووقوعكم في المشقة والإثم.
الإعراب المفصل:
"لَقَدْ": اللام موطئة لقسم مقدر، "قد" حرف تحقيق.
"جَاءَكُمْ": فعل ماض مبني على الفتح، والكاف مفعول به مقدم، والميم للجمع.
"رَسُولٌ": فاعل مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
"مِّن أَنفُسِكُمْ": جار ومجرور شبه جملة نعت لـ "رسول"، والكاف مضاف إليه.
"عَزِيزٌ": نعت ثانٍ لـ "رسول" مرفوع بالضمة الظاهرة.
"عَلَيْهِ": متعلق بـ "عزيز".
"مَا": مصدرية.
"عَنِتُّمْ": فعل ماض مبني على السكون وفاعله التاء، والمصدر المؤول (عَنَتُكُم ومشقتكم) في محل رفع فاعل للصفة المشبهة "عزيز".
"حَرِيصٌ": نعت ثالث مرفوع بالضمة الظاهرة.
"عَلَيْكُم": متعلق بـ "حريص".
"بِالْمُؤْمِنِينَ": جار ومجرور متعلق بـ "رؤوف" أو "رحيم" مقدم للاهتمام.
"رَءُوفٌ": نعت رابع لـ "رسول" مرفوع بالضمة الظاهرة.
"رَّحِيمٌ": نعت خامس مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خاتمة الرحمة بعد سورة القوارع والسيوف: سورة التوبة سُميت "سورة العذاب" و"المقشقشة" و"الفاضحة"؛ لما فيها من حسم الجهاد ومحاصرة الكفار وفضح المنافقين؛ فكان من كمال البلاغة القرآنية المعجزة أن تُختم بهذه الآية التي تفيض بالرحمة والرأفة والحنان النبوي الأقدس؛ ليعلم الناس أن تلك الشدة في الجهاد لم تكن غاية في ذاتها ولا انتقاماً شخصياً، بل كانت صادرة عن قلب هذا النبي الرءوف الرحيم لإنقاذ البشرية وحمايتها من الهلاك الأبدي في جهنم.
التدرج الباهر في الصفات (من الأمة عامة إلى المؤمنين خاصة):
قال أولاً: {جَاءَكُمْ... حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ} بالخطاب العام لكل العرب والبشر؛ يحرص على هدايتهم ويسوءه عذابهم.
ثم خصص المؤمنين بالرأفة والرحمة الخاصة: {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}؛ لبيان مزيد العناية بمن استجاب واتبع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إطلاق اسمين من أسماء الله الحسنى (رؤوف رحيم) على النبي ﷺ: كيف يوصف مخلوق بأنه "رؤوف رحيم" وهما من أسماء الله تبارك وتعالى؟
الدفع والمحاكمة العقدية واللغوية الصافية:
أسماء الله الحسنى تنقسم إلى قسمين:
أسماء خاصة به سبحانه لا يجوز إطلاقها على غيره قط؛ كاسم "الله"، و"الرحمن"، و"الخالق"، و"الرب" المطلق، و"القدوس".
أسماء مشتركة في أصل المعنى اللغوي يجوز إطلاقها على المخلوق بما يناسب ضعفه وبشريته؛ كاسم "السميع"، و"البصير" كما قال تعالى: {فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا}، وكذلك "رؤوف رحيم"؛ فرأفة النبي ورحمته صفة بشرية مخلوقة أودعها الله فيه تليق بمقامه الرسالي الكريم، أما رأفة الله ورحمته فصفة أزلية ذاتية مطلقة تليق بجلاله وعظمته، ولا مقارنة بين الخالق والمخلوق.
التنكير التعظيمي في "رَسُولٌ": يفيد التفخيم والتعظيم المطلق؛ أي أيّ رسول عظيم القدر جليل الشأن قد جاءكم!
تقديم المعمول في {بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}: لبيان الاختصاص والرعاية الفائقة؛ فالرحمة تعم الجميع، ولكن لأهل الإيمان الحظ الأوفر والنصيب الأقدس من بركته وشفاعته ﷺ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عظمة حب النبي ﷺ وتوقيره في القلوب: الآية تسكب في وجدان المسلم أعمق مشاعر الحب والشوق والتعظيم لرسول الله ﷺ الذي كان يبيت يحترق قلبه شفقة على أمته وحرصاً على نجاتها؛ وحقه ﷺ أن يُفدى بالأرواح والأموال وأن تُتبع سنته بشغف وإخلاص.
الرحمة والحرص في تربية الدعاة والقادة: القائد والداعية المسلم يتأسى بنبيه ﷺ؛ فيكون سمحاً، رفيقاً بالناس، يثقل عليه عنتهم ومشقتهم، حريصاً على هدايتهم، رءوفاً بالمؤمنين يداوي جراحهم ويجمع شملهم.