جاءت هذه الآية الكريمة لتضع الميزان الفاصل بعد أن بيّن الله في الآيات السابقة (91-92) رفع الحرج عن الضعفاء والمرضى والمعدمين والبكائين.
قال ابن جرير الطبري وابن كثير والقرطبي: "{إِنَّمَا السَّبِيلُ} أي: إنما العقوبة واللوم والإثم والمؤاخذة والعتاب على هؤلاء الأغنياء المترفين الذين يملكون المال والزاد والرواحل، ثم يأتونك يستأذنون في القعود دون عذر؛ رضوا لأنفسهم بالدناءة أن يكونوا مع النساء في البيوت، وطبع الله على قلوبهم بذنوبهم ونفاقهم، فهم لا يعلمون عاقبة ما يرتكبونه من الخسران الأبدي".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
أداة الحصر (إِنَّمَا): تفيد قصر الحكم ونفيه عما عداه؛ أي: لا سبيل ولا مؤاخذة على معذور قط، وإنما السبيل مقصور ومحصور حصراً على الأغنياء المستأذنين تكاسلاً ونفاقاً.
الفارق البلاغي بين {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} في الآية (87) و{فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} هنا:
في الآية (87): قال {فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} لأن الحديث كان عن تفويت مصلحة الجهاد ودقائق أسراره ومنافعه، والفقه هو الفهم الدقيق.
وهنا في الآية (93): قال {فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} لأن المقام مقام إحاطة بحكم الحلال والحرام والوعيد الإلهي الصارم الذي يعرفه حتى عامة الناس، فنفى عنهم أصل العلم؛ إذ لو كان عندهم أدنى مسكة من علم لما آثروا القعود المطبوع عليه مع علمهم بقدرة الله وعقابه.
الإعراب المفصل:
"إِنَّمَا": كافة ومكفوفة أداة حصر.
"السَّبِيلُ": مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
"عَلَى الَّذِينَ": جار ومجرور شبه جملة متعلق بمحذوف خبر المبتدأ (كائن أو مستقر على الذين).
"يَسْتَأْذِنُونَكَ": مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
"وَهُمْ": الواو حالية، "هم" مبتدأ.
"أَغْنِيَاءُ": خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو "يستأذنونك".
"رَضُوا": فعل ماض مبني على الضم وفاعله الواو، والجملة استئنافية أو حالية.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام المقابلة بين الآيات التشريعية: في الآية (91) قال سبحانه: {مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ}، فجاء في هذه الآية (93) بالمقابلة التامة: {إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ}؛ لإحكام طرفي القضية؛ فلا مؤاخذة على محسن معذور، والمؤاخذة كلها منصبة على قادر مفرط.
الارتباط بجملة الحال {وَهُمْ أَغْنِيَاءُ}: جملة الحال هي مناط الذم وعين الجريمة؛ لأن استئذان الفقير له ما يبرره واقعاً، أما استئذان الغني القادر فهو دناءة نفس وكفر بالنعمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إعذار الأغنياء بدعوى كثرة التزاماتهم وأموالهم وتجاراتهم: يزعم بعض أصحاب الأموال أن انشغالهم بإدارة التجارة والشركات والمصالح الدنيوية عذر يسوغ لهم التخلف عن واجبات الأمة ونصرتها!
الدفع والمحاكمة العقلية:
نصت الآية نصاً صريحاً على أن الغنى سبب لوجوب النفير والبذل لا مسوغ للقعود؛ فالغني أولى الناس بالبذل؛ لأنه قادر على الجمع بين الجهاد بماله ونفسه أو تجهيز المقاتلين. والتعلق بالتجارة وتقديمها على فريضة الجهاد نفاق ورضا بمراتب الخوالف، وسبب للطبع على القلوب وسلب العلم الحقيقي.
أسلوب القصر بـ "إنما" وتعريف "السبيل": يفيد حصر جنس الحرج والمؤاخذة في هؤلاء الأغنياء، مما يقطع كل حجة أو تبرير قد يتوارى خلفه صاحب مال.
إسناد الطبع إلى لفظ الجلالة صراحة {وَطَبَعَ اللَّهُ}: في الآية (87) قال: {وَطُبِعَ} بالبناء للمجهول، وهنا صرح باسم الجلالة {وَطَبَعَ اللَّهُ}؛ لمزيد الزجر والتهويل؛ ليعلموا أن الذي أوقع العقوبة وختم على قلوبهم هو الجبار القهار سبحانه وتعالى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
مسؤولية أهل الثروة واليسار في الأمة: على الأغنياء ورجال الأعمال أن يدركوا أن أموالهم أمانة مستودعة، وأن الأمة إذا تعرضت لنوازل أو حروب أو مجاعات فإن أول من يتوجه إليهم الخطاب والمسؤولية هم أولو الطول والأموال، فإن بخلوا وتقاعسوا استوجبوا مقت الله وسلب التوفيق.
الخوف من داء الجهل المركب: من أعظم العقوبات أن يُسلب العبد العلم النافع فيظن قعوده وبخله ذكاءً وحصافة، وهو في الحقيقة عين الجهل والهلاك.