أسباب النزول ومرويات الباب: توكيد وتحذير صارم معقب على الآية السابقة؛ لبيان أن النفير في هذه الغزوة فرض عين لا رخصة فيه لأحد إلا لأهل الأعذار الشرعية كالأعمى والأعرج والمريض. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد أن الله حذر هذه الأمة من مغبة القعود والتقاعس عن نصرة نبيه صلى الله عليه وسلم بالوعيد بالعذاب والاستبدال؛ فالإسلام لا يتوقف على أحد، ومن نكص عن نصرة دينه استبدله الله بقوم آخرين ينصرون دينه.
أقوال أئمة السلف والتفسير في معنى العذاب والاستبدال:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 257)جامع البيانالطبري١٤/٢٥٧: إن لم تخرجوا خفافاً وثقالاً مع نبيكم إذا استنفركم يعذبكم الله في الدنيا بالذل وتسليط الأعداء وسلب النعم وقحط المطر، وفي الآخرة بنار جهنم؛ ويستبدل بكم قوماً غيركم يكونون أطوع لله ولرسوله منكم وأبذل لأنفسهم وأموالهم في سبيله، ولن تضروا الله بتخلفكم شيئاً فإن الله غني عنكم وعن نصرتكم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 150)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٥٠: توعدهم تعالى إن لم ينفروا مع الرسول بثلاث عقوبات: العذاب الأليم، والاستبدال بأمة أخرى (وقيل هم أهل اليمن، وقيل أبناء فارس، وقيل غيرهم من الأمم التي نصرت الإسلام لاحقاً)، وبيان أن تخلفهم لا يضر الله شيئاً بل يضر أنفسهم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 173)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٧٣: استدل بالآية على أن النفير العام إذا أعلنه الإمام تعين على كل قادر ولم يجز لأحد التخلف إلا بعذر بيّن؛ وأن سنة الاستبدال ماضية في كل جيل يتقاعس عن نصرة الحق.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 337)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٧: هذا وعيد شديد للمتثاقلين؛ يقطع وهم الغرور؛ فالدين دين الله وهو ناصره، ومن تخلف فقد خسر شرف النصرة وحل به العذاب والاستبدال، والله قادر على إقامة دينه بغيرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
إِلَّا: إن شرطية جازمة أدغمت نونها في لا النافية.
وَيَسْتَبْدِلْ: الاستبدال رفع شيء ووضع آخر مكانه؛ يقال استبدل الشيء بغيره إذا تركه وأخذ بديله.
وَلَا تَضُرُّوهُ: الضرر ضد النفع؛ والهاء تعود على الله تعالى (أو على الرسول)، ونفي الضرر عنه سبحانه لأنه الغني المطلق الذي لا تنفعه طاعة المطيعين ولا تضره معصية العاصين.
الإعراب التفصيلي:
إِلَّا: إن حرف شرط جازم، لا نافية.
تَنفِرُوا: فعل مضارع مجزوم بحذف النون وهو فعل الشرط، والواو فاعل.
يُعَذِّبْكُمْ: فعل مضارع مجزوم بالسكون لأنه جواب الشرط، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله، والكاف مفعول به والميم للجمع.
وَلَا تَضُرُّوهُ: الواو عاطفة أو حالية، لا نافية، تضروه مضارع مجزوم بحذف النون معطوف على جواب الشرط (أو منصوب بأن مضمرة أو مرفوع بتقدير لا تضرونه)، والواو فاعل، والهاء مفعول به.
شَيْئًا: مفعول مطلق نائب عن المصدر منصوب (أي ضرراً قليلاً أو كثيراً).
وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ: تذييل مقرر لتمام القدرة الإلهية، مبتدأ وخبر والجار والمجرور متعلق به.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الحسم والردع الصارم: بعد أسلوب التوبيخ والعتاب الرقيق في الآية (38) {مَا لَكُمْ... أَرَضِيتُم}، رفعت الآية (39) نبرة الخطاب إلى التحذير الجازم بالعقوبة الصريحة والاستبدال الفوري؛ لتعلم الأمة أن قضايا النفير والجهاد المصيري لا تحتمل المجاملة ولا التردد.
سنة الاستبدال الإلهية: الربط بين العذاب والاستبدال والقدرة المطلقة؛ لتقرير قانون إلهي خالد: نصرة الدين شرف يمنحه الله لمن يشاء، فإذا زهد فيه جيل سُلب منه الشرف ومُنح لجيل آخر صادق مقبل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة حاجة الله ورسوله إلى جهاد المسلمين:
قد يتوهم واهم أن أمر الله بالجهاد ناتج عن حاجة منه لنصرة عباده.
الرد والمحاكمة العقلية الحازمة:
قوله {وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} ينسف هذا التوهم نسفاً؛ فالله غني عن العالمين، وقادر على إبادة جيوش الروم بكن فيكون بغير قتال؛ ولكن الجهاد ابتلاء وتمحيص للعباد ليرفع درجاتهم ويميز الصادق من الكاذب؛ فالعبد هو المحتاج للجهاد لنيل رضوان الله والنجاة من عذابه.
أسلوب الشرط الرادع: صيغة الشرط {إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ} تفيد السببية الحتمية بين القعود عن الواجب وبين حلول الهزيمة والذل والعذاب.
التنكير في {قَوْمًا}: تنكير تعظيم وتهويل؛ أي قوماً أكفاء شجعاناً كراماً لا يشبهونكم في التثاقل، بل يبادرون لنصرة الحق بنفوس طيبة.
التذييل باسم {قَدِيرٌ}: ختام الآية بالقدرة المطلقة تذكير بأن استبدال الأمم وتغيير موازين القوى أمر هين على الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف من سنة الاستبدال: أشد ما ينبغي أن يخشاه المؤمن والعامل للإسلام هو أن يستبدله الله بسبب كسله وتقصيره؛ فيحرم شرف خدمة الدين ويوفق غيره لنيل هذا الأجر العظيم.
العمل للدين شرف للمكلف: خدمة هذا الدين والجهاد في سبيله منحة ربانية وتشريف، وليست عبئاً يمن به العبد على ربه ودعوته.