المقابلة الإلهية العظمى بين حزب النفاق وحزب الإيمان: قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/173): "لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة، عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة؛ ولهذا قال: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} أي: يتناصرون ويتعاضدون، كما جاء في الصحيحين: 'المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً' وشبك بين أصابعه ﷺ، وفي الصحيح أيضاً: 'مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى'".
تفسير السلف لخصائص المؤمنين الخمس:
{بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}: قلوبهم مجتمعة على المحبة والتناصر في دين الله.
{يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}: قال قتادة والزهري: أعظم المعروف الإيمان بالله ورسوله وتوحيده والاتباع لشريعته، وأعظم المنكر الشرك والبدع والمعاصي؛ فالمؤمنون دعاة هداية وصلاح للمجتمع.
{وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}: إحساناً إلى خلق الله، وتطهيراً لأموالهم، بخلاف المنافقين الذين يقبضون أيديهم.
{وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}: في كل أمر ونهي وسائر شؤون الحياة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
دلالة "الولاية" بالفتح والكسر:
الوَلاية (بالفتح): النصرة والمحبة والتأييد والتضامن، والوِلاية (بالكسر): الإمارة والسلطان وتدبير الأمر. والمراد هنا الوَلاية بالفتح الجامعة لكل معاني التراحم والتناصر والإخاء الإيماني.
دلالة السين في {سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ}:
السين هنا ليست للتسويف والمماطلة كما يظن السطحيون، بل هي للتحقيق والتأكيد الجازم؛ كما قال سيبويه والزمخشري: "السين في وعد الله ووعيده تفيد ثبوت الأمر وتحققه وتوكيده وكأنه واقع حتماً لا محالة"، كقولك: "سأكرمك" تأكيداً للوعد.
الإعراب المفصل:
"وَالْمُؤْمِنُونَ": الواو استئنافية أو عاطفة للمقابلة، مبتدأ مرفوع بالواو.
قال في المنافقين: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ}، وقابلها في المؤمنين: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}.
قال في المنافقين: {يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ}، وقابلها في المؤمنين: {يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ}.
قال في المنافقين: {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ}، وقابلها في المؤمنين: {وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ}.
قال في المنافقين: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}، وقابلها في المؤمنين: {وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ... وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}.
قال في المنافقين: {وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}، وقابلها في المؤمنين: {أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ}.
التذييل بـ {إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: عزيز لا يُغلب من والاه ولا يُذل من استنصر به، حكيم في تفريق المصائر وتوزيع الرحمة والعذاب بحسب الأعمال والنيات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إخراج المرأة من العمل العام والدعوي والاجتماعي: يزعم بعض الحداثيين أو الغلاة أن الإسلام يحجر على المرأة المسلمة ويلغي دورها الاجتماعي والرسالي.
الدفع والمحاكمة العقلية والنصية الصريحة: هذه الآية الكريمة حجة قاطعة ومحكمة في إثبات الأهلية التامة للمرأة المؤمنة في ميادين الدعوة والتربية والإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ حيث قرنها الله تبارك وتعالى بالرجل المؤمن في الولاية: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، وفي وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله؛ فالمرأة المسلمة شقيقة الرجل وشريكته في بناء المجتمع الصالح وحراسة الفضيلة وفق الضوابط الشرعية العفيفة.
التعبير بالولاية الصريحة: إثبات الولاية بين المؤمنين والمؤمنات يدل على عمق الرابطة العقدية التي تعلو على روابط الطين والدم والعرق واللسان، وتجعل أمة الإسلام بنياناً واحداً متماسكاً.
ترتيب الواجبات (الصلاة ثم الزكاة ثم الطاعة العامة): تقديم الصلاة لأنها عماد الدين وحق الخالق، ثم الزكاة لأنها قوام التكافل وحق المخلوق، ثم الطاعة العامة المستغرقة لكل مناحي الحياة، دليل على تكامل المنهج الإسلامي وشموله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صمام أمان الأمة: الآية تجعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص خصائص الإيمان وموجبات تنزل الرحمة الإلهية؛ فإذا تعطلت هذه الفريضة في مجتمع حلت به النقم وانسلخت عنه الولاية.
التراحم والتعاون الإيماني العملي: دعوة كل مسلم ومسلمة إلى مد يد العون والتناصر لإخوانه وأخواته في الدين في كل مكان، والوقوف في خندق الإيمان في مواجهة أمواج النفاق والضلال.