أسباب النزول ومرويات الباب في كشف الحجة الدامغة على كذبهم: نزلت الآية الكريمة داحضة لكل معاذير المنافقين في التخلف؛ واضعة المعيار العملي الحاسم لإرادة الطاعة. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد وابن زيد أن المنافقين لما جاؤوا يعتذرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: ما استطعنا الخروج لضيق الوقت وقلة الزاد والظهر؛ ففضحهم الله مبيناً أن غزوة تبوك قد أعلن عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل خروجه بزمن مديد، وأمر بالاستعداد لها علناً على غير عادته في التورية بالمغازي؛ فلو كانت لديهم نية صادقة في الخروج لاتخذوا الأسباب وأعدوا العدة من زاد وسلاح ورواحل؛ ولكنهم لم يحركوا ساكناً طيلة تلك المدة فثبت كذبهم.
أقوال أئمة السلف والتفسير في حكمة التثبيط الإلهي:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 283)جامع البيانالطبري١٤/٢٨٣: لو كان هؤلاء المنافقون المستأذنون في القعود صادقين في إرادتهم الخروج معك يا محمد لتهيؤوا للسفر وأخذوا أهبته من السلاح والزاد والرواحل؛ ولكن الله كره خروجهم معكم لنفاقهم وفساد ضمائرهم، فحبسهم وقذف في قلوبهم الكسل والخوف والقعود، وقيل لهم بلسان القدر والشرع: اقعدوا مع العجزة والنساء والصبيان والمرضى.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 159)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٥٩: هذا برهان ساطع على كذبهم؛ فإن الإرادة الحقيقية تستلزم اتخاذ الأسباب؛ فلما لم يُعدوا للغزو عدته استبان خلو قلوبهم من إرادة الجهاد أصلاً؛ ثم بيّن العلة القدرية: {وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ}: أي كره خروجهم معكم لئلا يفسدوا صفكم ويخذلوا جيشكم، {فَثَبَّطَهُمْ}: أي قعد بهم وثقل عليهم المسير جزاءً لنفاقهم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 192)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٩٢: التثبيط التعويق والرد عن الشيء بشغل أو كسل؛ وقوله {وَقِيلَ اقْعُدُوا} يحتمل أنه أمر قدري كوني، أو وسوسة من شياطينهم، أو قال بعضهم لبعض ذلك؛ وفيه أعظم تنفير من القعود بجعله صفة للعجزة والنساء وأهل الأعذار.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 339)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٩: قاعدة شرعية وعقلية كبرى: الدعاوى ما لم يقترن بها العمل والأخذ بالأسباب فهي كاذبة؛ ومن خذله الله وأعرض عنه حرمه شرف الطاعة وكره انبعاثه فثبطه وأقعده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
عُدَّةً: العُدَّة (بضم العين وتخفيف الدال أو تشديدها) هي ما يُعد ويُهيأ للأمر من زاد وعتاد وسلاح ورواحل وما يحتاج إليه المسافر في وجهه.
انبِعَاثَهُمْ: الانبعاث هو الاندفاع والنهوض والخروج السريع في الأمر؛ يقال انبعث فلان في حاجته إذا هب إليها بنشاط.
فَثَبَّطَهُمْ: التثبيط التعويق والتكسيل والحبس عن الفعل؛ يقال ثبطه عن كذا إذا كسله وحال بينه وبين إرادته وصرفه عنه.
الْقَاعِدِينَ: جمع قاعد، وهم العاجزون عن الخروج كالنساء، والصبيان، والزمنى، والمرضى.
الإعراب التفصيلي:
وَلَوْ: الواو استئنافية، لو حرف شرط غير جازم يفيد امتناع الجواب لامتناع الشرط.
أَرَادُوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
الْخُرُوجَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
لَأَعَدُّوا: اللام واقعة في جواب لو، أعدوا فعل ماض والواو فاعل.
لَهُ: جار ومجرور متعلق بـ أعدوا.
عُدَّةً: مفعول به لـ أعدوا منصوب بالفتحة الظاهرة، وجملة (لأعدوا له عدة) جواب شرط غير جازم لا محل لها.
وَلَٰكِن: الواو عاطفة، لكن حرف استدراك مهمل لتخفيفه (أو مشبه بالفعل واسمه محذوف).
كَرِهَ: فعل ماض مبني على الفتح.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
انبِعَاثَهُمْ: مفعول به منصوب، وهم مضاف إليه.
فَثَبَّطَهُمْ: الفاء عاطفة سببية، ثبطهم فعل ماض والفاعل مستتر يعود على الله، وهم مفعول به.
وَقِيلَ: الواو عاطفة، قيل فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله.
اقْعُدُوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل رفع نائب فاعل لـ قيل لأنها مقول القول.
مَعَ: ظرف مكان متعلق بـ اقعدوا.
الْقَاعِدِينَ: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم هذه الآية وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط الأعذار بالدليل التجريبي القاطع: بعد أن كشفت الآيتان السابقتان أنهم مرتابون لا يؤمنون، جاءت هذه الآية (46) لتقيم عليهم الحجة السلوكية المادية التي لا تقبل الجدال: لو كنتم صادقين فأين أثر الإعداد؟ أين السلاح المجموع؟ أين النوق المجهزة؟ أين الزاد المعد؟ فلما انعدم الإعداد انعدمت الإرادة حتماً؛ وهذا منتهى الإفحام العقلي.
لطف الله بالمؤمنين في التثبيط: إخبار الله بأنه هو الذي ثبطهم وكره خروجهم {وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ} حماية لجيش المسلمين؛ وسيتضح هذا اللطف في الآية اللاحقة مباشرة؛ فالمنع الإلهي كان عين العناية بالمؤمنين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجبر في قوله {فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا}:
يزعم بعض القدرية أو الجبرية أن تثبيط الله لهم يعني أنهم مجبرون على القعود وأنهم لا ذنب لهم في التخلف.
الرد والمحاكمة العقدية والسننية لأهل السنة:
التثبيط الإلهي لم يكن ظلماً ابتداءً ولا إجباراً سابقاً على المعصية، بل كان عقوبة قدرية جزائية على خيانة سابقة وخبث طوية مقيم في نفوسهم؛ فلما اختاروا الكفر والريب وكرهوا الجهاد عاقبهم الله بسلب التوفيق وتثبيط العزائم، كما قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}.
الدليل على اختيارهم الحر ومسؤوليتهم الجنائية: أنهم لم يتخذوا أي سبب من أسباب الإعداد {وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً}؛ فترك الإعداد كان بمحض إرادتهم وكسلهم.
القول في {وَقِيلَ اقْعُدُوا}: قول قدري خذلهم به الله، وقول نفسي وسوس به بعضهم لبعض؛ فاستحقوا الخزي بكسبهم وعملهم.
الجناس والاشتقاق بين {أَعَدُّوا} و{عُدَّةً}: لإبراز التلازم الحتمي بين الفعل ومقتضاه؛ فالإعداد لا يسمى إعداداً إلا بوجود العدة الحقيقية المادية.
التنكير في {عُدَّةً}: يفيد التقليل؛ أي لو أعدوا أي شيء، ولو زاداً يسيراً أو سيفاً واحداً لكان لهم عذر في المحاولة، ولكنهم لم يعدوا أدنى شيء فبطلت دعواهم بالكلية.
التحقير في {مَعَ الْقَاعِدِينَ}: إلحاق هؤلاء الرجال الأشداء بالنساء والأطفال والعجزة والزمنى تشويه نفسي شنيع ورسم لصورة مخزية من النذالة والخنوثة؛ فمن رضي بالقعود مع القاعدين سقطت مروءته ورجولته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
صدق الإرادة يظهر في الإعداد: علامة الصدق في أي هدف أو مشروع دعوي أو جهادي هو الشروع الفوري في اتخاذ أسبابه المادية؛ فمن ادعى أنه يريد العلم ولم يفتح كتاباً، أو ادعى نصرة الدين ولم يبذل مالاً فهو منافق في دعواه.
الخوف من كراهية الله لطاعتنا: أعظم نذير شؤم يصيب العبد أن يشعر بثقل الطاعات وتثبيطه عن مجالس الخير والجهاد؛ فليحذر أن يكون الله قد كره انبعاثه فثبطه بسبب ذنوبه وفساد سريرته!