أسباب النزول ومرويات الباب: نزلت هذه الآية الكريمة بياناً لسنة الابتلاء والتمحيص التي لا تتخلف في بناء الجماعة المسلمة. روى ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة والضحاك أن قوماً من المسلمين لما نزل فرض الجهاد والأمر بالبراءة والنفير الشاق تثاقلوا ورجوا أن يتركوا بغير تكليف بالقتال؛ فأنزل الله هذه الآية مبكتاً لهم ومبيناً أن مجرد دعوى الإيمان باللسان لا تكفي حتى يظهر صدقها بالجهاد وإخلاص الولاء لله ورسوله والمؤمنين، ونبذ البطانة الدخيلة من الكفار والمنافقين.
أقوال أئمة السلف والتفسير في معنى {وَلِيجَةً}:
قال ابن عباس ومجاهد وقتادة (جامع البيان، جـ 14، ص 170)جامع البيانالطبري١٤/١٧٠: الوليجة: البطانة والدخيلة؛ وهو الرجل الذي يدخله القوم في أسرارهم وأمورهم وبطانتهم وليس منهم، أو من يتخذ من المشركين أولياء يفشي إليهم أسرار المسلمين ويستنصر بهم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 121)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٢١: {أَمْ حَسِبْتُمْ}: أي أظننتم أيها المؤمنون أن تتركوا مهملين بغير اختبار ولا ابتلاء بالقتال والأوامر الشاقة التي تميز الصادق من المنافق؟ {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ}: أي ولما يظهر علمه الواقع بالذين جاهدوا في سبيله وأخلصوا له فلم يتخذوا بطانة من أعدائه.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 102)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٠٢: الوليجة مأخوذة من الولوج وهو الدخول، وهي كل ما دخل في الشيء ولم يكن من أصله؛ واستدل بالآية على تحريم اتخاذ غير المسلمين بطانة يُطلعون على أسرار الدولة الإسلامية أو يتولون المناصب الحساسة التي تضر بأمن الأمة.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 331)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣١: يخبر تعالى عن حكمته في فرض الجهاد؛ وأنه لا بد من الامتحان ليتميز المخلص من المدعي؛ فالجهاد ينزع الأقنعة ويكشف من كان ولاؤه خالصاً لله ورسوله وللمؤمنين ممن له دخائل وولاءات خفية مع أعداء الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
أَمْ: حرف عطف بمعنى بل والهمزة، وهي المنقطعة التي تفيد الإضراب الانتقالي مع الإنكار والتوبيخ؛ أي: بل أظننتم ذلك؟
حَسِبْتُمْ: الحسبان الظن والتوهم الباطل الذي لا حقيقة له.
تُتْرَكُوا: الترك التخلية والإهمال بغير اختبار ولا تكليف ولا فرز.
وَلَمَّا: لما حرف جزم ونفي وقلب، وتختص بالنفي المستمر إلى وقت التكلم مع توقع حصول المنفي بعدها؛ وأصلها لم زيدت عليها ما.
وَلِيجَةً: فعيلة بمعنى فاعلة من ولج يلج ولوجاً إذا دخل؛ والوليجة البطانة والدخيلة والموالاة السرية والخاصة التي تُطلع على بواطن الأمور.
الإعراب التفصيلي:
أَمْ: حرف إضراب واستفهام إنكاري مبني على السكون.
حَسِبْتُمْ: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، والميم للجمع.
أَن: حرف مصدري ونصب.
تُتْرَكُوا: فعل مضارع مبني لما لم يُسمَّ فاعله منصوب بأن وعلامة نصبه حذف النون، والواو نائب فاعل؛ والمصدر المؤول (أن تتركوا) سد مسد مفعولي حسبتم.
وَلَمَّا: الواو حالية، لمّا حرف نفي وجزم وقلب.
يَعْلَمِ: مضارع مجزوم بـ لمّا وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة في محل نصب حال.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ يعلم.
جَاهَدُوا: فعل ماض والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
مِنكُمْ: جار ومجرور حال من فاعل جاهدوا.
وَلَمْ يَتَّخِذُوا: الواو عاطفة، لم حرف جزم، يتخذوا مضارع مجزوم بحذف النون معطوف على جاهدوا، والواو فاعل.
مِن دُونِ اللَّهِ: جار ومجرور في محل نصب حال أو متعلق بمحذوف مفعول ثانٍ لـ يتخذوا، ولفظ الجلالة مضاف إليه.
وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ: معطوفان على لفظ الجلالة، ولا لتأكيد النفي.
وَلِيجَةً: مفعول به أول لـ يتخذوا منصوب بالفتحة الظاهرة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الغاية والعلة التمحيصية العظمى: بعد أن أصدرت الآيات السابقة (1 - 15) أوامر صريحة بالبراءة ونبذ العهود وقتال الناكثين ومناجزة أئمة الكفر، ختمت هذا المقطع التأسيسي الأول من السورة بهذه الآية العميقة؛ لتبين أن هذه الأوامر والتكاليف الشاقة لم تأتِ اعتباطاً، بل هي مقتضى سنة الله في تمحيص الصف الداخلي وتنقيته من أصحاب الولاءات المزدوجة والمنافقين.
التدرج في نفي الوليجة: نفى اتخاذ الوليجة من دون ثلاثة: {مِن دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ}؛ لتقرير أن الولاء كتلة واحدة متماسكة: ولاء لله، ولرسوله، وللجماعة المؤمنة؛ فمن والى عدواً للمؤمنين فقد انسلخ من هذا الحبل الموثق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة توهم تجدد العلم الإلهي في قوله {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ}:
يزعم بعض الجُهال أن قوله {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ} يوهم أن الله لا يعلم الشيء حتى يقع، مما ينافي كمال علمه الأزلي القديم.
الرد والتحقيق العقائدي المحكم لأئمة أهل السنة:
علم الله سبحانه أزلي أبدي محيط بكل شيء جملة وتفصيلاً قبل خلق السماوات والأرض؛ يعلم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون.
المراد بـ {يَعْلَمِ اللَّهُ} هنا هو: علم الظهور والشهادة الذي يترتب عليه الثواب والعقاب في الواقع المشهود؛ فإن الله لا يعاقب العباد ولا يثيبهم على مجرد علمه الأزلي فيهم، بل حتى يصدر منهم الفعل ويجاهدوا فعلياً في الواقع، فيتحقق علم المشاهدة وتقوم الحجة على العبد من عمل نفسه.
حرف {لَمَّا} يفيد أن هذا التمحيص آتٍ لا محالة وواقع في حياة الأمة، فكل جيل لا بد أن يمر بمحنة الابتلاء ليظهر الصادق من الكاذب.
الاستفهام الإنكاري بـ {أَمْ} المنقطعة: الإضراب بـ (أم) يقطع حبال الأماني الكاذبة؛ أي انسوا هذا الظن الساذج بأن الإيمان نزهة خالية من الابتلاء والتكاليف؛ فالجنة حُفت بالمكاره.
التعبير بـ {وَلِيجَةً}: تصوير لفظي دقيق للخيانة الخفية؛ فـ الوليجة شيء غريب يدخل في البدن أو الثوب فيؤذيه في خفاء، وهكذا شأن من يبطن موالاة الكفار وإفشاء أسرار المسلمين؛ فهو جسم غريب ينخر في كيان الأمة.
التذييل باسم {خَبِيرٌ}: ختام الآية بـ {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}؛ لأن الخبير هو العالم بدقائق الأمور وخفايا الصدور ونوايا الضمائر، فلا تنطلي عليه المعاذير ولا تنفعه المظاهر المصطنعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سنة الابتلاء والتمحيص لا تسقط عن أحد: لا يمكن لأمة أن تبني مجدها أو تستحق نصر الله بمجرد الشعارات الرنانة؛ فالجهاد والبذل هما المحك الحقيقي لصدق الإيمان والولاء.
أمن الأمة وحظر البطانة الفاسدة: حماية أمن المجتمع المسلم الفكري والعسكري فريضة محكمة؛ ويجب قطع دابر كل اختراق استخباراتي أو سياسي يتستر وراء المصالح الدخيلة.