أسباب النزول ومرويات الباب في بيان هلَع المنافقين: نزلت الآية الكريمة كاشفة للباعث النفسي الخبيث الذي يحمل المنافقين على الحلف الكاذب بأنهم مؤمنون مخلصون مع المسلمين. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد والضحاك قالوا: كان المنافقون إذا رأوا عز المسلمين وانتصارهم أقبلوا يحلفون بالله أيماناً مغلظة: إنا لمعكم، وإنا منكم في دينكم ونصرتكم! فكذبهم الله بنص قاطع: {وَمَا هُم مِّنكُمْ وَلَٰكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ}؛ مبيناً أن دافعهم إلى هذا الحلف ليس الإيمان ولا المحبة، بل هو الجبن والهلع والخوف من أن ينزل بهم القتل والأسر كالمشركين إن كشفوا نفاقهم.
أقوال أئمة السلف والتفسير في معنى الفرق والجبن:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 316)جامع البيانالطبري١٤/٣١٦: يحلف هؤلاء المنافقون بالله كذباً للمؤمنين: إنا لمن أهل ملتكم ودينكم ومن جماعتكم في الحرب والسلم؛ فنفى الله ذلك عنهم بأبلغ نفي: {وَمَا هُم مِّنكُمْ}: أي ليسوا منكم في عقيدة ولا نية ولا ولاء؛ ولكنهم قوم يفرقون: أي يخافون ويجبنون خوفاً شديداً يملأ قلوبهم فزعاً من أن تفعلوا بهم ما تفعلونه بالمشركين من القتل والسبي إن أظهروا ما في قلوبهم من الشرك.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 169)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٦٩: يخبر تعالى عن خورهم وجبنهم وهلعهم؛ وأنهم يحلفون تقية وخوفاً من سطوة المسلمين وسيوفهم؛ فهم مسلمون في الظاهر خائفون في الباطن، وليسوا من المؤمنين في شيء.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 218)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٢١٨: الفَرَق (بفتحتين) هو أشد الخوف والجبن؛ يقال فرِق الرجل يفرَق فرقاً إذا امتلأ فزعاً وطار قلبه رعباً؛ ومنه سمي الفَرِق؛ والآية تكشف أن النفاق وليد الجبن والخوف.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 342)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٤٢: الجبن يقود صاحبه إلى أرذل الأخلاق من الكذب والنفاق واليمين الفاجرة؛ فلو كانوا شجعاناً لأعلنوا عقيدتهم، ولكن الرعب ألجأهم إلى التخفي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
وَيَحْلِفُونَ: الحلف هو القسم واليمين المعظمة؛ والمنافقون يتخذون أيمانهم جُنة وستاراً.
لَمِنكُمْ: اللام المزحلقة للتوكيد؛ و(منكم) تفيد التبعيض والاتصال التام في الجماعة والهوية.
يَفْرَقُونَ: الفَرَق الخوف الشديد والهلع الذي يفرق عزم الإنسان ويشتت فكره؛ مأخوذ من الفرق وهو الفصل والشق؛ كأن الخوف يشق قلبه شقاً ويفصله عن رشده.
هذا التسلسل النظمي البديع ينسف دعاواهم حجراً حجراً ويتركهم عرايا من كل مصداقية.
الارتباط مع الآية السابقة: في الآية (55) بيّن أن أموالهم وأولادهم عذاب عليهم، وهنا بيّن أن حياتهم اليومية كلها عذاب نفسي وقلق؛ فهم يعيشون في رعب دائم من انكشاف أمرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التكفير بالظن وشق الصدور:
قد يزعم سائل: ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة: «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ»؟ فكيف يحكم القرآن هنا بأنهم ليسوا منا؟
الرد والمحاكمة السنية المحكمة:
هذا إخبار من علام الغيوب الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وهو وحي معصوم نزل لتنبيه النبي والمؤمنين إلى مكر المنافقين وحماية أمن الدولة المسلمة.
ومع هذا الإخبار الإلهي بكفرهم الباطن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم عاملهم في الدنيا بأحكام الإسلام الظاهرة؛ فلم يقتلهم ولم يسلب أموالهم؛ لئلا يتحدث الناس أن محمداً يقتل أصحابه؛ فكان هذا منتهى العدل النبوي في الجمع بين اليقظة الأمنية وإجراء الأحكام على الظاهر.