أسباب النزول ومرويات الباب: روى البخاري في صحيحه (رقم: 4655)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٥٥ ومسلم (رقم: 1347)مصدر غير محددحديث رقم ١٣٤٧ عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى: «أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ». وأخرج البخاري (رقم: 4657)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٥٧ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف يوم النحر في الحجة التي حج فيها فقال: «أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟» قَالُوا: يَوْمُ النَّحْرِ، قَالَ: «هَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ».
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 120)جامع البيانالطبري١٤/١٢٠: الأذان هو الإعلام والنداء بصوت رفيع يسمعه الناس؛ ويوم الحج الأكبر هو يوم النحر عند جمهور الصحابة والتابعين (علي، وابن عباس، وابن عمر، وعمر بن الخطاب)؛ لأن معظم أفعال الحج تقع فيه من رمي ونحر وحلق وطواف وسعي.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 106)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٠٦: سماه الله الحج الأكبر تمييزاً له عن العمرة التي هي الحج الأصغر، ولأنه اليوم الذي اجتمعت فيه وفود المسلمين والمشركين في آخر موسم يحج فيه المشركون.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 72)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٧٢: إعلان البراءة في هذا اليوم بالذات كان أعظم بلاغ وأقطع حجة؛ لأن العرب من كل قبيلة وواد كانوا مجتمعين في منى وعرفات ومكة، فيعود كل وفد إلى قومه حاملاً هذا النبأ الفاصل فلا يبقى لأحد عذر بالجهل.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 328)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٢٨: الأذان إشعار عام من الله ورسوله لجميع الناس بأن ولاية المشركين قد انقطعت، ثم فتح باب التوبة ترغيباً لهم: {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}، وحذرهم من التولي ببيان عدم المعجزة وبشارة العذاب الأليم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
أَذَانٌ: فعال من أذن يأذن أذاناً وتأذيناً، وهو الإعلام بالشيء وإسماعه؛ ومنه الأذان للصلاة لأنه إعلام بدخول وقتها، والأذن حاسة السمع لأنها تسمع النداء.
يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ: الحج القصد والزيارة للبيت الحرام، والأكبر نعت للحج إما لفضيلته واستجماع أركانه في هذا اليوم، أو لمقابلته بالحج الأصغر (العمرة).
بَرِيءٌ: فعيل بمعنى بارئ ومفارق، صفة مشبهة تدل على ثبوت البراءة واستقرارها.
يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ: يوم ظرف زمان منصوب متعلق بنعت أذان أو بـ أذان نفسه، الحج مضاف إليه، الأكبر نعت مجرور.
أَنَّ اللَّهَ: أن وما في حيزها في محل رفع خبر المبتدأ (أذان)، أي مضمون الأذان هو براءة الله، أو في محل جر بحرف جر محذوف (بأن الله بريء). ولفظ الجلالة اسم أن.
بَرِيءٌ: خبر أن مرفوع بالضمة الظاهرة.
مِّنَ الْمُشْرِكِينَ: جار ومجرور متعلق بـ بريء.
وَرَسُولُهُ: الواو عاطفة، رسوله معطوف على الضمير المستكن في الخبر (بريء) وحسن العطف للفصل، أو معطوف على محل اسم أن (أي: واللهُ بريء ورسولُه بريء)، أو مبتدأ خبره محذوف تقديره: ورسوله بريءٌ أيضاً. والرفع هنا قطعي بإجماع القراءات المتواترة.
فَإِن تُبْتُمْ: الفاء استئنافية، إن شرطية، تبتم فعل الشرط في محل جزم.
فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ: الفاء رابطة، هو مبتدأ، خير خبر، ولكم متعلق به، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ: عاطفة، فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وجار ومجرور.
توجيه القراءات:
قرأ القراء العشرة قاطبة برفع {وَرَسُولُهُ} بالضمة. وقد روي في الأثر التاريخي المشهور أن أعرابياً سمع قارئاً لحناً يقرأ بجر اللام {وَرَسُولِهِ} بالعطف على المشركين، فأنكر الأعرابي بفطرته السليمة وقال: «إن يبرأ الله من رسوله فأنا أبرأ منه!»، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأمر ألا يقرئ القرآن إلا عالم بالعربية، وأمر أبا الأسود الدؤلي بوضع قواعد النحو وصيانة اللسان العربي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إشاعة البلاغ وتعميمه: الآية الأولى كانت موجهة {إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ}، أما هذه الآية فجاءت عامة {إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ}؛ لتشهد الإنسانية جمعاء على وضوح الدعوة وسقوط الشرك، ولتحفظ الذاكرة التاريخية يوم الحج الأكبر كفيصل بين عهدين.
الترغيب المعقب للبراءة: فتح باب التوبة فور إعلان البراءة {فَإِن تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ} برهان قاطع على أن الإسلام لا يطلب الانتقام ولا يبتغي الدماء لذاتها، بل يبحث عن هداية القلوب حتى في لحظات إعلان النفير.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة اللحن في قراءة {وَرَسُولُهُ} وتوهم الجر:
يثير بعض المستشرقين رواية لحن الأعرابي ليزعموا وجود اضطراب نحوي في الآية الكريمة.
الرد والتحقيق العلمي الحاسم:
القراءة المتواترة المنقولة بالتواتر القطعي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين والقراء العشرة هي الرفع {وَرَسُولُهُ}، ولم يرد الجر في أي قراءة معتبرة أو شاذة يعتد بها.
الحادثة المروية تثبت أصالة الوعي اللغوي العربي؛ فالأعرابي بفطرته أنكر قراءة القارئ اللاحن ورفضها تماماً، مما استدعى عمر لوضع الضوابط النحوية لصيانة النطق العام.
الرفع في {وَرَسُولُهُ} له أوجه نحوية كلها صحيحة جليلة: إما مبتدأ محذوف الخبر (ورسوله بريءٌ)، أو عطف على محل اسم أن قبل دخولها، وكلاهما يفيد قطعاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم متبرئ من المشركين كما تبرأ الله منهم.
التنكير في {أَذَانٌ}: تنكير إعظام وتفخيم، أي إعلام جليل عظيم لا نظير له في وضوحه وشموله وعلانيته.
التهكم والاستدراج في {وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا}: استعمال البشارة -وهي في الأصل الإخبار بالخير الذي يظهر سروره على بَشرة الوجه- في مقام الوعيد بالعذاب الأليم {بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}؛ أسلوب تهكمي بديع يقطع قلوبهم حسرة ويبين خيبة آمالهم في الشرك.
إطلاق لفظ {النَّاسِ}: إشعار بأن هذا الإعلان لا يخص قبيلة دون قبيلة، بل هو مبدأ كلي موجه إلى البشرية قاطبة لتدرك أن التوحيد هو الأصل الذي لا مساومة عليه في بيت الله الحرام.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استثمار المحافل الكبرى في البلاغ: الداعية والقائد الناجح يستثمر التجمعات البشرية والمناسبات الجامعة لتبليغ القرارات والمفاهيم الكبرى ليتحقق أعلى درجات الذيوع والوضوح.
المؤمن يعادي من عادى الله: البراءة من الشرك والكفر ركن أصيل في العقيدة، ومن أحب الله ورسوله تبرأ مما تبرأ الله منه ورسوله.