أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج الإمام مسلم في صحيحه (رقم: 1775)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٧٥ وأحمد في المسند (رقم: 1780)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٨٠ عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين، فلما ولى المسلمون قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَا عَبَّاسُ، نَادِ أَصْحَابَ السَّمُرَةِ»، وكنت رجلاً صيتاً، فناديت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك! فاقتتلوا والكفار، ودعوة في الأنصار: يا معشر الأنصار، ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته يتطاول إلى قتالهم فقال: «هَذَا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ»، ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: «انْهَزَمُوا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ»، فما هو إلا أن رماهم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلاً وأمرهم مدبراً حتى هزمهم الله وأنزل جنوده من الملائكة.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 204)جامع البيانالطبري١٤/٢٠٤: السكينة هي الطمأنينة والأمن والوقار واليقين الذي ينزله الله في قلوب أوليائه فيسكن روعهم ويثبت أقدامهم. أنزلها الله أولاً على رسوله صلى الله عليه وسلم لثباته الراسخ، ثم على المؤمنين الذين ثابوا إليه وراجعوا إيمانهم، وأيدهم بجنود من الملائكة لم يروها عياناً ولكن رأوا آثار نصرهم وقذف الرعب في قلوب المشركين.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 131)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٣١: جمع الله لهم بين التأييد النفسي الداخلي بإنزال السكينة، والتأييد الخارجي المادي بإنزال الملائكة الكرام تثبيتاً للمؤمنين ورعباً للكافرين؛ فعذب الذين كفروا بالقتل والأسر وسلب الأموال والذراري.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 128)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٢٨: الملائكة يوم حنين نزلت تثبيتاً ورعباً، وقيل قاتلت كما قاتلت في بدر؛ وقوله {وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ} بيان لعدالة الحكم في خزي الكفر في الدنيا والآخرة.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 334)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٤: تداركتهم ألطاف الله ورحمته بعد أن شارفوا على الهلاك، فقلب الهزيمة إلى نصر مبين بالسكينة والمدد الغيبي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
سَكِينَتَهُ: السكينة فعيلة من السكون، وهو الهدوء والقرار والطمأنينة؛ وهي في لسان الشرع نور إلهي وروح من الله يلقى في قلوب الأنبياء والمؤمنين عند اضطراب الأمور والمخاوف العظمى فيجعلهم في منتهى الثبات والرباطة.
جُنُودًا: الجنود جمع جند، وهو العسكر والأعوان المهيؤون للقتال؛ والمراد بهم الملائكة المقربون.
لَّمْ تَرَوْهَا: الرؤية هنا بصرية؛ أي لم تشاهدوها بأعينكم، ولكن شاهدتم آثار نصرها وقذف الرعب في قلوب أعدائكم.
الإعراب التفصيلي:
ثُمَّ: حرف عطف يفيد التراخي والترتيب في الرتبة ومجيء الفرج بعد الكرب.
أَنزَلَ: فعل ماض مبني على الفتح.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
سَكِينَتَهُ: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه.
عَلَىٰ رَسُولِهِ: جار ومجرور متعلق بـ أنزل، والهاء مضاف إليه.
وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ: معطوف مجرور بالياء.
وَأَنزَلَ جُنُودًا: معطوف على أنزل سكينته، جنوداً مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
لَّمْ تَرَوْهَا: لم حرف جزم، تروها مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب نعت لـ جنوداً.
وَعَذَّبَ: معطوف على أنزل، وفاعله مستتر تقديره هو.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به.
كَفَرُوا: فعل ماض والواو فاعل، والجملة صلة الموصول.
وَذَٰلِكَ: الواو استئنافية، ذا اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
جَزَاءُ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
الْكَافِرِينَ: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم هذه الآية وضبطها وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التحول الإعجازي من قمة الكرب إلى ذروة النصر: جاء حرف العطف {ثُمَّ} ليفصل بين مشهدين متناقضين تماماً: مشهد الهزيمة والتفرق وضيق الأرض في الآية (25)، ومشهد النصر والسكينة والمدد الملائكي في الآية (26)؛ ليعلم المؤمن أن الفرج ينزل في أحلك لحظات الشدة متى صدق اللجوء إلى الله.
الترتيب النبوي في نزول السكينة: قدم الرسول صلى الله عليه وسلم {عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ}؛ لأن الرسول هو الأصل ومعدن اليقين وإمام الأمة، ومن قلبه الثابت الصامد فاضت السكينة على سائر قلوب أصحابه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين نزول الملائكة وبين اشتراط القتال بالأيدي:
يسأل المشككون: إذا كان الله ينزل جنوداً من الملائكة تهزم الكفار، فلماذا يوجب القتال على المؤمنين ويعرضهم للجراح والقتل؟
الرد والمحاكمة العقلية:
سنة الله في هذا العالم قائمة على التكليف والابتلاء وبذل الجهد البشري؛ فالملائكة لم تنزل لتقاتل بدلاً من المسلمين وتلغي دورهم، بل نزلت تثبيتاً وتأييداً ومدداً بعد أن بذل المسلمون وسعهم وثبتوا في الميدان.
لو حسمت المعارك بالمعجزات والملائكة المجردة دون قتال بشري لسقطت حكمة الابتلاء، ولما استحق المجاهدون درجات الشهادة والكرامة في الجنة.
هذا التزاوج بين السبب البشري والمدد الغيبي هو روح العقيدة الإسلامية؛ تبذل أقصى ما تملك كأن السبب كل شيء، وتتوكل على الله كأن السبب ليس بشيء.
التنكير في {جُنُودًا}: تنكير تعظيم وتكثير؛ أي جنوداً هائلين من الملائكة لا يعلم عددهم وقوتهم إلا الله سبحانه.
الوصف بالنفي في {لَّمْ تَرَوْهَا}: إبراز لعالم الغيب وسعة قدرة الله، وإشعار بأن نصر المؤمنين تحوطه عناية ربانية خفية تتجاوز الحواس المادية المجردة.
التذييل بالقصر في {وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ}: الإشارة بـ {ذَٰلِكَ} لعلو العدالة الإلهية وشمولها؛ أي هذا الخزي والهوان هو الجزاء الحق المحتوم لكل من عاند الله وحارب أولياءه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
السكينة أعظم أسلحة الميدان: في أوقات الأزمات والفتن والحروب، ليست الأسلحة المادية هي الحاسم الأول، بل هي طمأنينة القلب وثبات الروح واليقين بالله؛ فمتى نزلت السكينة سكنت الزلازل.
الثقة بالمعية الإلهية: مهما ادلهمت الخطوب وتكالبت قوى الشر على الأمة، فإن لله جنوداً في السماوات والأرض ينصر بهم عباده المستضعفين في الوقت الذي يريده بحكمته.