أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج مسلم في صحيحه (رقم: 1879)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٧٩ عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: كنت عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رجل: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أسقي الحاج! وقال آخر: ما أبالي ألا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أن أعمر المسجد الحرام! وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: الجهاد في سبيل الله أفضل مما قلتم! فزجرهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقال: لا ترفعوا أصواتكم عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم -وذلك يوم الجمعة- ولكن إذا صليت الجمعة دخلت فاستفتيته فيما اختلفتم فيه؛ فأنزل الله عز وجل: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۚ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ}.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 180)جامع البيانالطبري١٤/١٨٠: هذا توبيخ وإنكار من الله لمن ساوى بين سقاية الحجيج بالماء وعمارة الكعبة بالخدمة والرفادة، وبين الإيمان بالله واليوم الآخر وبذل المهج والأموال في الجهاد في سبيل الله؛ فحكم الله قاطع: {لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ}؛ فالإيمان والجهاد يعلوان كل الأعمال البدنية.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 124)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٢٤: هذا تفضيل صريح من الله تعالى للإيمان والجهاد على مجرد خدمة البيت وسقاية الحجاج، وإن كانت تلك أعمال بر مشروعة؛ لأن الجهاد سنام الإسلام وحامي حماه، وبدونه تسقط المساجد وتضيع الشرائع.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 111)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١١١: في الآية دليل قاطع على تفاضل الأعمال الصالحة، وأن بعضها أعلى رتبة من بعض؛ فالجهاد في سبيل الله مقدّم على الحج وعمارة المسجد عند تعين الجهاد، وسقاية الحاج لا تداني رتبة بذل النفس في سبيل الله.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 332)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٢: أنكر الله التسوية الجائرة بين الأعمال الخدمية المحضة وبين أصل الإيمان والجهاد؛ وسمى التسوية بينهما ظلماً: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} لأن وضع الشيء في غير موضعه والتسوية بين المفضول والفاضل ظلم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
سِقَايَةَ: فِعَالَة تدل على الحرفة والصناعة وممارسة العمل، وأصلها تقديم الماء لسقي العطاش؛ وكانت سقاية الحاج من مآثر قريش حيث ينبذون الزبيب والتمر في الماء لشاربي الحجاج.
الْحَاجِّ: اسم جنس للحجاج والقاصدين للبيت، أو جمع حاج كغاز وغازٍ.
لَا يَسْتَوُونَ: الاستواء التماثل والتكافؤ والتعادل في الرتبة والمنزلة.
الإعراب التفصيلي:
أَجَعَلْتُمْ: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، جعلتم فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل، والميم للجمع.
سِقَايَةَ: مفعول به أول لـ جعلتم منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو على حذف مضاف تقديره (أهل سقاية الحاج أو عمل سقاية الحاج).
كَمَنْ: الكاف حرف جر وتشبيه، من اسم موصول مبني في محل جر متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لـ جعلتم (أي: كعمل من آمن، أو كأصحاب من آمن ليتطابق المشبه والمشبه به).
لَا يَسْتَوُونَ: لا نافية، يستوون مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة استئنافية لتقرير عدم المساواة، وجمع الضمير لأن المشبه والمشبه به أصحاب الأعمال.
عِندَ اللَّهِ: ظرف مكان متعلق بـ يستوون، ولفظ الجلالة مضاف إليه.
اتفقت القراءات العشر المتواترة على قراءة {سِقَايَةَ الْحَاجِّ} بالمصدر واسم الجنس.
وقرئ في الشواذ عن ابن الزبير وسعيد بن جبير: {سُقَاةَ الْحَاجِّ وَعَمَرَةَ الْمَسْجِدِ} بضم السين والقاف جمع ساقٍ، وبفتح العين والميم جمع عامر؛ لتطابق لفظ الفاعل مع قوله {كَمَنْ آمَنَ}. ولكن القراءة المتواترة هي {سِقَايَةَ... وَعِمَارَةَ} بالمصادر المضافة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصحيح موازين التفاضل في الشريعة: هذه الآية من أعظم الآيات في تصحيح موازين القيم الإسلامية؛ فبعد أن تحدثت الآيتان السابقتان عن عمارة المساجد، بيّنت هذه الآية أن عمارة المسجد الحرام وسقاية الحجاج -مع جلالة قدرهما- لا يمكن أن تتساوى في ميزان الله مع التضحية بالدماء والأموال في ساحات الجهاد في سبيل الله.
الردع عن الغرور بالأعمال البدنية المريحة: الجهاد يتضمن بذل الروح والمال وتحمل المشاق العظمى، أما السقاية وعمارة البنيان ففيها راحة ووجاهة اجتماعية وفخر دنيوي؛ فأنكر الله على من يقدم الهين السهل على العظيم الشاق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تقدير المضاف في قوله {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ... كَمَنْ آمَنَ}:
يثير بعض النحاة والمستشرقين إشكال عدم المطابقة بين المصدر (سقاية وعمارة) وبين الذات (من آمن).
الرد والتحقيق البلاغي والنحوي المحكم:
هذا الأسلوب من أرقى أساليب الإيجاز والحذف في لسان العرب، وله توجيهان بلاغيان كلاهما في غاية الحسن:
إما تقدير مضاف قبل الأول: (أجعلتم أهل سقاية الحاج كمن آمن)، ليتطابق الأشخاص مع الأشخاص، ويدل عليه قوله: {لَا يَسْتَوُونَ} بضمير العقلاء.
أو تقدير مضاف قبل الثاني: (أجعلتم سقاية الحاج كإيمان وجهاد من آمن)، ليتطابق العمل مع العمل.
حذف المضاف هنا مقصود لإلغاء الفوارق الشكلية وتركيز الذهن على جوهر الموازنة بين الفعلين؛ وهذا قمة الإعجاز البلاغي.
الاستفهام الإنكاري الإبطالي: التصدير بهمزة الإنكار {أَجَعَلْتُمْ} لنسف هذا التصور الخاطئ من أساسه وإشعار السامع بأن مجرد عقد هذه المقارنة خطأ فادح.
التنكير والحكم بـ {عِندَ اللَّهِ}: قوله {لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ}؛ تنبيه على أن المعيار الحقيقي للتفاضل هو ميزان الله العليم الخبير، لا مقاييس البشر السطحية التي تميل إلى المظاهر والوجاهات.
تسمية التسوية ظلماً: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}؛ إشعار بأن تسوية الفاضل بالمفضول وبخس المجاهد حقه بوضعه في رتبة القاعد ضرب من الظلم الذي يسلب صاحبه التوفيق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه الأولويات وموازين الأعمال: على المسلم أن يتعلم فقه مراتب الأعمال الصالحة؛ فلا ينشغل بالمفضول عن الفاضل، ولا يقدم النوافل والخدمات المريحة على الفرائض الكبرى التي يتوقف عليها مصير الأمة.
مكانة الجهاد والبذل في الإسلام: بذل النفس والمال في سبيل الله لحماية الدين والمستضعفين هو قمة العبادة وسنام الإسلام، ولا يبلغه أي عمل آخر مهما عظم شأنه.