أسباب النزول ومرويات الباب: نزلت الآية الكريمة تصويراً للصراع الحضاري والفكري الدائم بين معسكر الحق ومعسكر الباطل. روى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس وقتادة والسدي أن أهل الكتاب ومشركي العرب لما رأوا ظهور الإسلام وانتشاره، سعوا بكل ما أوتوا من قوة وكذب وتضليل ودعاية إعلامية كاذبة إلى تشويه القرآن والطعن في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم لإخماد دعوته؛ فشبه الله صنيعهم بأحمق يحاول إطفاء نور الشمس العظيم بنفخة من فمه!
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 228)جامع البيانالطبري١٤/٢٢٨: يريد هؤلاء المشركون واليهود والنصارى أن يبطلوا دين الله الحق والقرآن المنزل على نبيه بأكاذيبهم ومقالاتهم الباطلة التي يتفوهون بها بألسنتهم؛ ويأبى الله إلا أن يظهر دينه، ويعلي كلمته، ويتم نوره بنصر نبيه وقهر أعدائه، ولو كره ذلك الكافرون الجاحدون.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 138)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٣٨: ضرب الله تعالى مثلاً للمكذبين في محاولتهم إبطال ما جاء به الرسول، بمثل من يريد أن يطفئ شعاع الشمس أو القمر بنفخة من فمه، وهذا مستحيل لا سبيل إليه؛ فكذلك دين الله متم نوره ومكتوب له النصر والظهور لا محالة.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 148)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٤٨: النور هنا هو القرآن والإسلام وبراهين النبوة؛ وإتمام النور هو إعلاء كلمة التوحيد ونصرتها في الخافقين؛ والآية تضمنت بشارة قاطعة للأمة ببقاء هذا الدين وظهوره على كل المذاهب.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 335)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٥: المحاولة فاشلة سلفاً؛ فالنور نور الله العظيم، والأفواه أفواه بشرية عاجزة ضعيفة، وما يخرج منها من التضليل لا يقدر على حجب نور الحق؛ وسنة الله ماضية في إتمام نوره ولو اجتمع أهل الأرض على كراهيته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
يُطْفِئُوا: الإطفاء إخماد النار والنور وقطع أثرهما؛ يقال أطفأ النار إذا أخمد لهبها ونورها.
نُورَ اللَّهِ: النور الضياء الساطع الكاشف للظلمات؛ والمراد به هنا الوحي الإلهي (القرآن، والإسلام، ودلائل النبوة).
أَن يُتِمَّ: الإتمام البلوغ بالشيء إلى غايته وكماله التام بحيث لا ينقص منه شيء.
الإعراب التفصيلي:
يُرِيدُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
أَن يُطْفِئُوا: أن حرف مصدري ونصب، يطفئوا مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل، والمصدر المؤول (أن يطفئوا) في محل نصب مفعول به لـ يريدون.
نُورَ: مفعول به لـ يطفئوا منصوب بالفتحة الظاهرة.
اللَّهِ: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
بِأَفْوَاهِهِمْ: الباء للآلة أو الاستعانة، أفواه مجرور بالكسرة متعلق بـ يطفئوا، وهم مضاف إليه.
وَيَأْبَى: الواو للحال أو عاطفة، يأبى فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
إِلَّا: أداة استثناء ملغاة لتقدم معنى النفي في الفعل (يأبى) لأن الإباء نفي للامتثال.
أَن يُتِمَّ: أن حرف مصدري ونصب، يتم مضارع منصوب بالفتحة وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله.
نُورَهُ: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه؛ والمصدر المؤول (أن يتم) في محل نصب مفعول به للفعل يأبى.
وَلَوْ كَرِهَ: الواو للحال، لو حرف شرط غير جازم يفيد الوصلية، كره فعل ماض مبني على الفتح.
الْكَافِرُونَ: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وجواب الشرط محذوف تقديره (لأتمه لو كره الكافرون).
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نصب {نُورَهُ} ورفع {الْكَافِرُونَ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التصوير الإعجازي للمواجهة الفكرية: بعد أن كشف القرآن عقائدهم الفاسدة ودعاويهم الكاذبة في الآيات السابقة، رسم في هذه الآية لوحة تصويرية بديعة تمثل سخرية القدر الإلهي من مؤامراتهم؛ فصور كل جهودهم التضليلية وأموالهم وجيوشهم مجرد "نفخات بالأفواه" أمام شمس ساطعة لنور الله الأعظم.
التأكيد على حتمية انتصار النور: قابل الإرادة البشرية الضعيفة {يُرِيدُونَ} بالإرادة الإلهية القاهرة القاطعة {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ}؛ ليقطع دابر اليأس من قلوب المؤمنين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تسلط أعداء الدين وتراجع المسلمين في بعض العصور:
قد يسأل سائل: كيف نرى في بعض الأزمنة والبلدان تسلطاً لأعداء الإسلام وضعفاً للمسلمين، والله يقول {وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ}؟
الرد والمحاكمة العقلية والسننية:
الآية تتحدث عن "إتمام نور الدين وبقاء شريعته وحجته وظهوره الكلي على سائر الأديان"، وهذا متحقق بصورة إعجازية لا نظير لها؛ فالقرآن محفوظ بحرفه وضبطه لم يُحرّف منه حرف واحد عبر 14 قرناً، بينما تحرفت كل كتب الأديان السابقة بشهادة أهلها.
ضعف المسلمين العسكري في بعض الأزمنة ناشئ عن تقصيرهم في الأخذ بأسباب القوة والإعداد والتمسك بالدين، وهو تطبيق لسنن الله الكونية؛ لكن دين الإسلام ذاته يبقى متوهجاً جاذباً للعقول في كل بقاع الأرض حتى في عقر دار أعدائه.
النور متم في نهاية المطاف قطعا بالوعد الإلهي؛ فالعبرة بتمام التاريخ ومآل الرسالة.
الاستعارة التمثيلية الرائعة: شبه محاولات الكفار وأهل الكتاب لإبطال الإسلام بـ "رجل ينفخ بفمه في ضوء الشمس الهائل ليطفئه"؛ بجامع العجز المطبق والجهل الفاضح والنتيجة المستحيلة.
استعمال الفعل {يَأْبَى} وتعديته بـ {إِلَّا}: التركيب (يأبى إلا كذا) في لسان العرب يدل على الامتناع الصارم مع الإصرار الجازم على نفاذ الأمر المراد؛ وهو من أبلغ أساليب التوكيد والتحدي.
التذييل بـ {وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ}: إبراز أن كراهية الكفار لا وزن لها أمام قدرة الله؛ بل إن كراهيتهم دليل على عظمة هذا النور وسطوعه في كشف باطلهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين المطلق بمستقبل الإسلام: المؤمن يمتلئ قلبه يقيناً وطمأنينة بأن الإسلام منصور وأن محاولات التشويه والشبهات الإعلامية لن تزيد هذا الدين إلا انتشاراً وظهوراً.
الثبات أمام الهجمات الفكرية: لا ينبغي للداعية أن يفزع من كثرة الشبهات والمؤامرات؛ فالباطل زاهق بطبعه، ونور الحق كفيل بتبديد كل ظلمات التضليل.