أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد وابن عباس في قوله: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ}: هم قبائل مزينة وجهينة وأشجع وغفار ممن كان في قلوبهم نفاق حول المدينة.
{وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ}: المَرَد في لغة العرب: العتو والاستمرار والصلابة والمرونة والتمرد؛ قال ابن عباس ومجاهد: أي لَجّوا فيه وألفوه وثبتوا عليه وأبوا غيره، حتى صاروا خبراء في فنون التستر والمكر لا يظفر بهم أحد.
{لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}: قال قتادة: "ما بال أقوام يدّعون علم الغيب وقد قال الله لنبيه وهو أزكى البشر: {لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}!".
تفسير العذاب مرتين:
اختلف السلف في المراد بـ {سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ} على أقوال متقاربة جامعة:
قال ابن عباس في رواية: عذاب في الدنيا بالفضيحة والقتل أو أخذ الجزية والحدود، وعذاب القبر.
قال الحسن وقتادة ومجاهد: المرة الأولى: ما يصيبهم في الدنيا من نكبات وهموم وخوف وغيظ وظهور الإسلام عليهم، والمرة الثانية: عذاب القبر في البرزخ؛ ثم في الآخرة: {يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٍ} وهو نار جهنم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "مَرَدُوا" لغة:
مَرَدَ يَمْرُدُ مُرُوداً: عتا وتمرن وتجرأ وتجرد؛ ومنه "المارد" وهو الشديد العاتي من الشياطين، و"صرح ممرد" أي مملس متجرد؛ فالمعنى: تجردوا للنفاق وتمرنوا عليه حتى صار خلقاً طبيعياً لهم لا تلين لهم قناة ولا يردهم واعظ.
الإعراب المفصل:
"وَمِمَّنْ": الواو استئنافية، "مِن" حرف جر، "مَن" اسم موصول في محل جر، وشبه الجملة خبر مقدم.
"مَرَّتَيْنِ": نائب عن المفعول المطلق منصوب بالياء لأنه مثنى (تعذيباً مرتين).
"ثُمَّ": حرف عطف للترتيب والتراخي.
"يُرَدُّونَ": مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل.
"إِلَىٰ عَذَابٍ": متعلق بـ "يردون".
"عَظِيمٍ": نعت لـ "عذاب" مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحاطة الرقابة النبوية والوحي بدوائر الخطر: بعد أن مدح المؤمنين الخلص في الآية السابقة، نبّه القرآن القيادة النبوية إلى وجود شبكات نفاق محترفة شديدة التستر والخبث، تعيش داخل أسوار المدينة وفي محيطها، لكي لا يستكين المسلمون لظواهر الأمور بل يظلوا على يقظة تامة.
تدرج العذاب وتنوعه: بيّن أن مكرهم الاحترافي لن ينجيهم من العقاب؛ فعذابهم نازل لا محالة في الدنيا بالرعب والقلق والفضيحة، وفي البرزخ بعذاب القبر، ثم العذاب الأبدي المقيم في جهنم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نفي علم النبي ﷺ بالمنافقين وهل كان يعلمهم بأسمائهم: كيف يقول الله هنا: {لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ أسرّ إلى حذيفة بن اليمان بأسماء أربعة عشر أو اثني عشر منافقاً؟
الدفع والمحاكمة الحديثية والعقدية الصافية:
لا تعارض بحمد الله؛ فالنبي ﷺ بشر لا يعلم من الغيب إلا ما أطلعه الله عليه بوحيه؛ فقبل أن يعلمه الله لم يكن يعلم خبايا سرائرهم بدقة ولا يعلم جميع أعيانهم؛ لأن نفاقهم كان في غاية الإحكام والتستر: {مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ}.
ثم بعد نزول هذه الآيات أطلعه الله بوحيه على أعيان طائفة منهم ممن تآمروا في عقبة تبوك، فأسرّ بأسمائهم لحذيفة بن اليمان (أمين سر رسول الله ﷺ)؛ فالعلم الخاص جاء بتعليم الله وإعلامه، والنفي المذكور في الآية هو نفي للعلم الاستقلالي الذاتي لجميع المنافقين؛ تأكيداً لاختصاص الله تعالى بعلم الغيب المطلق.
التعبير بـ {مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ}: استعارة تمثيلية تصوّر ترويض النفس واعتيادها للجريمة حتى تصبح كأنها طبيعة ثانية وسجية أصيلة لا تفارق صاحبها.
المقابلة الإلهية بين النفي والإثبات: {لَا تَعْلَمُهُمْ ۖ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ}؛ إظهار لقصور العلم البشري وكمال الإحاطة الربانية، وفيه أعظم طمأنة للنبي ﷺ بأن أعداءه مكشوفون لربه ولن يضروه شيئاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقظة الأمنية والاجتماعية في الأمة: تحذر الآية من السذاجة السياسية وظن أن كل من تظاهر بالصلاح مخلص؛ فالأمة تحتاج إلى حس أمني ووعي بشرور المتربصين المتمرسين على النفاق.
الاستعاذة من عذاب القبر: الآية أصل قرآني صريح في إثبات عذاب القبر (أحد التعذيبين قبل القيامة)، مما يوجب على المسلم الاستعاذة الدائمة منه والعمل للنجاة من هوله.