الجمع بين المنافقين والكفار في العقوبة: أجمع أئمة التفسير (الطبري، ابن كثير، القرطبي) على أن الله جل جلاله سوّى في هذه الآية بين المنافقين والمنافقات وبين الكفار المجاهرين في المصير والجزاء الأخروي في نار جهنم؛ لأن كفر المنافقين في باطنه أخبث وأغلظ من كفر المجاهرين، بل إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار كما نصت سورة النساء.
تفسير ألفاظ الجزاء عند السلف:
{هِيَ حَسْبُهُمْ}: قال ابن جرير والسدي وابن كثير: أي كافيتهم عقوبة ونكالاً وجزاءً على قبائحهم وكفرهم واستهزائهم؛ فلو لم يعذبوا إلا بها لكفتهم في إحاطة الألم والعذاب بكل ذرة في أجسادهم وأرواحهم.
{وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ}: قال قتادة: أي طردهم وأبعدهم من رحمته، وأحل عليهم غضبه وسخطه الأزلي.
{وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}: قال مجاهد: دائم لا يزول ولا ينقطع ولا يخفف عنهم طرفة عين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "الحسب" لغة:
الحسب: الكفاية، يقال: "حسبي هذا الشيء" أي كفاني وأغناني، و"حسبك الله" أي كافيك. والمعنى هنا: نار جهنم كافية في إيلامهم وإهلاكهم لا يحتاجون معها إلى مزيد نكال لهول ما فيها من أصناف العذاب.
دلالة "المقيم" اشتقاقاً:
مُقيم: اسم فاعل من أقام يُقيم، مأخوذ من الإقامة وهي الثبوت والدوام والاستقرار، ويدل على خلود العذاب وأنه لا يطرأ عليه انقطاع ولا فناء.
الإعراب المفصل:
"وَعَدَ": فعل ماض مبني على الفتح، استُعمل مجازاً في الشر للتهكم أو من باب التضمين (أوعد).
"اللَّهُ": لفظ الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
"الْمُنَافِقِينَ": مفعول به أول منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
"وَالْمُنَافِقَاتِ": معطوف منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
"وَالْكُفَّارَ": معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
"نَارَ": مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"جَهَنَّمَ": مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
"خَالِدِينَ": حال منصوبة بالياء من المفعول به (المنافقين ومن عُطف عليهم).
"وَلَعَنَهُمُ": الواو عاطفة، "لعنَ" فعل ماض، والهاء مفعول به، والميم للجمع وحُركت بالضم لالتقاء الساكنين.
"اللَّهُ": لفظ الجلالة فاعل مؤخر مرفوع بالضمة.
"وَلَهُمْ": الواو عاطفة، شبه جملة جار ومجرور خبر مقدم.
"عَذَابٌ": مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة.
"مُّقِيمٌ": نعت لـ "عذاب" مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترتيب الجزاء العادل بعد كشف الجريمة: لما فصّل في الآية السابقة صفات المنافقين وجرائمهم الأخلاقية والعقدية، أعقبها مباشرة ببيان مآلهم النهائي وقرنهم برفقائهم من الكفار الصرحاء؛ لبيان أن الأقنعة الزائفة لن تنجيهم يوم القيامة، وأن الوعيد محيط بالجميع.
تراكم أصناف العقاب في الآية: تدرج البيان الإلهي في صب العذاب عليهم عبر أربع مراتب متتالية:
نار جهنم والخلود الأبدي فيها.
كفايتها لهم في النكال والاستيعاب: {هِيَ حَسْبُهُمْ}.
الطرد من الرحمة الإلهية والغضب السرمدي: {وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ}.
استمرار العذاب وثبوته دون أدنى انقطاع: {وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استعمال فعل "الوعد" في موضع الوعيد والعقاب: الأصل في كلام العرب أن الوعد في الخير والوعيد في الشر؛ فلم قال الله هنا: {وَعَدَ اللَّهُ... نَارَ جَهَنَّمَ}؟
الدفع والمحاكمة العقلية والبيانية:
استعمال الوعد في الشر له مسلكان فصيحان في لغة القرآن:
التهكم بهم والاستهزاء بأمانيهم الباطلة؛ لأنهم كانوا يمنون أنفسهم بالنجاة والسلامة، فقيل لهم: هذا هو الوعد الصادق الذي ينتظركم، كقوله تعالى: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.
أن "الوعد" مشترك لغوي عام في الخير والشر، وإن كان الغالب تقييده في الخير والتفرقة بين الوعد والوعيد، إلا أن استعماله في الجزاء الحتمي الصادق الذي لا يتخلف أبلغ؛ للدلالة على أن هذا الجزاء حق لازم لا مرية في وقوعه كالوعد المبرم الصادق الذي لا يخلفه الله أبداً: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ}.
الجملة الاسمية في {هِيَ حَسْبُهُمْ}: تدل على الثبوت والاستقرار التام، وفيها إيجاز معجز يختزل كل ألوان الشقاء؛ فجهنم وحدها كافية لقطع كل آمالهم، مستغرقة لكل طاقات الألم البشري.
تقديم المنافقين على الكفار في الذكر: {وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ}؛ لأن السياق مسوق في فضحهم وهتك أستارهم، ولأن نفاقهم وخداعهم للإسلام وأهله أشد نكاية وأعظم خطراً من الكفر الصريح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار هول المصير رادعاً عن النفاق: الآية موعظة تهتز لها القلوب الحية؛ تدعو المسلم إلى محاسبة سريرته وتطهير باطنه من شوائب الرياء والتقاعس والازدواجية، خوفاً من هذا المصير المرعب: جهنم، واللعنة، والعذاب المقيم.
وحدة المعسكر المعادي للدين: يدرك المؤمنون أن المنافقين والكفار وجهان لعملة واحدة في العداء للإسلام ومصير الآخرة، وإن تباينت أدوارهم في الدنيا.