قال ابن جرير الطبري وابن كثير والقرطبي: "يخبر تعالى عباده المؤمنين بأنه المالك المطلق لجميع ما في السماوات والأرض؛ خلقاً، وتدبيراً، وتصريفاً، وتشريعاً؛ بيده مقاليد الأمور، يحيي من يشاء بعد موته، ويميت من يشاء عند انقضاء أجله، لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه".
{وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ}: تنبيه للمؤمنين ولكل مكلف بأن الولاية الحقيقية والنصرة التامة إنما هي لله وحده؛ فمن والاه كفاه ونصره وتولاه في الدنيا والآخرة، ومن انسلخ عن ولايته لم يجد من دونه ولياً يهديه ولا نصيراً يمنعه من عذاب الله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تقديم الجار والمجرور في {لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}:
تقديم "له" على المبتدأ "ملك" يفيد القصر والاختصاص؛ أي: لله وحده لا شريك له الملك الحقيقي الكامل المستقل للسماوات والأرض، وما ملك المخلوقين إلا عارية مؤقتة تزول بزوالهم.
التوكيد بحرف الجر الزائد "مِن" في {مِن وَلِيٍّ}:
دخول "مِن" الزائدة على النكرة في سياق النفي يفيد استغراق ونفي جنس كل ولي وناصر من دون الله كائناً من كان.
الإعراب المفصل:
"إِنَّ": حرف توكيد ونصب مشبه بالفعل.
"اللَّهَ": لفظ الجلالة اسمها منصوب بالفتحة الظاهرة.
"لَهُ": جار ومجرور شبه جملة خبر مقدم.
"مُلْكُ": مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، وهو مضاف.
"السَّمَاوَاتِ": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"وَالْأَرْضِ": معطوف مجرور بالكسرة، والجملة الاسمية (له ملك...) في محل رفع خبر "إنّ".
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ترسيخ أركان العقيدة بعد أحكام الولاء والبراء: بعد أن أمر بمفاصلة المشركين ومنع الاستغفار لهم ولو كانوا أولي قربى، بيّن الله العلة الكبرى والدافع الأصيل لهذا الالتزام؛ وهو أن الملك لله وحده، والحياة والموت بيده، والولاية الحقة مقصورة عليه؛ فلا وجه لموالاة أعدائه طمعاً في دنياهم أو قرابتهم؛ إذ لن يغنوا عن العبد من الله شيئاً.
الارتباط ببيعة الشراء والجهاد: لما بايعهم في الآية (111) على أنفسهم وأموالهم، ذكّرهم هنا بأنه هو المالك الحقيقي لتلك الأنفس والأموال، وأنه هو الذي يحيي ويميت؛ فالموت في سبيل الله لا يقدم أجلاً، والقعود لا يؤخر منية؛ فالأعمار مقدورة والأمر كله لمالك الملك سبحانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاستنصار بالأسباب الدنيوية ونفي صفة "النصير" عن غير الله: هل نفي الولي والنصير ينافي اتخاذ الحلفاء والأسباب وتعيين القادة والأنصار في الحروب؟
الدفع والمحاكمة العقلية والشرعية:
النفي متوجه إلى الولي والنصير "من دون الله"؛ أي المستقل عن الله أو المضاد لحكمه وشرعه؛ فالاعتماد المطلق والتوكل والرجاء لا يكون إلا على الله تبارك وتعالى.
أما اتخاذ الأسباب الشرعية وتناصر المؤمنين فيما بينهم فهو من باب التعاون المأمور به وطاعة الله، كما قال في الآية (71): {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}؛ فنصرة المؤمنين لبعضهم ظل لنصرة الله ومدده، وليست استقلالاً من دونه سبحانه وتعالى.
الطباق بين {يُحْيِي وَيُمِيتُ}: طباق بديعي يجمع أطراف القدرة والتصرف في الكائنات؛ ليورث القلب شجاعة واستعلاءً على الخوف من الموت؛ فالمحيي والمميت واحد وهو الله.
المقابلة بين الولي والنصير:
الولي: هو الذي يتولى جلب المصالح والمنافع والخيرات لك ومحبتك.
النصير: هو الذي يدفع عنك المكاره والشرور والأعداء.
فجمعت الآية بين نفي الأمرين عن غير الله، وإثباتهما لله وحده كمالاً لكفايته وحفظه لأوليائه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوكل المطلق والتجرد لله: الآية تزرع في وجدان المسلم عزة واستغناءً بالله عن الخلق أجمعين؛ فمن كان الله وليه وناصره فلا يبالي بمكر الأعداء وتكالب الأمم.
الاستعداد للقاء المحيي والمميت: تذكر حتمية الموت وانقضاء الأجل يحفز العبد على بذل روحه وماله في طاعة ربه، مدركاً أن الحياة الحقيقية الدائمة هي حياة النعيم والرضوان في جوار أرحم الراحمين.