الأحاديث النبوية العظيمة في أخذ الله للصدقات وتربيتها:
أخرج الشيخان البخاري (كتاب الزكاة، باب الصدقة من كسب طيب، رقم 1410)مصدر غير محددحديث رقم ١٤١٠ ومسلم (كتاب الزكاة، رقم 1014)مصدر غير محددحديث رقم ١٠١٤ واللفظ للبخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: "من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، فإن الله يتقبلها بيمينه، ثم يربيها لصاحبه كما يربي أحدكم فَلُوَّه (مُهْرَهُ الصغير)، حتى تكون مثل الجبل!".
وأخرج الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه وابن جرير الطبري عن عائشة وأبي هريرة رضي الله عنهما مرفوعاً: "إن الصدقة لتقع في يد الرحمن تبارك وتعالى قبل أن تقع في يد السائل، فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد!". وتلا رسول الله ﷺ هذه الآية: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
صيغة الحصر بضمير الفصل (هُوَ):
ورد ضمير الفصل مرتين في الآية: {أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ}، و{وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ}؛ ليفيد الحصر والقصر القطعي؛ أي: الله وحده لا شريك له هو الذي يملك قبول التوبة ومغفرة الذنوب وأخذ الصدقات وإثابة أصحابها، فلا يملك ذلك نبي مرسل ولا ملك مقرب ولا كاهن ولا حبر ولا سلطان.
التعبير بـ "يَأْخُذُ" استعارة تمثيلية في غاية الشرف:
أخذ الصدقات من الله تعالى مجاز واستعارة لتصوير غاية القبول والرضا والإكرام للمتصدق والبركة للمال؛ فكأن يد القدرة الإلهية الكريمة هي التي تستلم الصدقة، تكريماً لشأن الإخلاص.
الإعراب المفصل:
"أَلَمْ": الهمزة للاستفهام التقريري الحاثّ على العلم واليقين، "لم" جازمة.
"يَعْلَمُوا": مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
"أَنَّ اللَّهَ": "أنّ" حرف توكيد ونصب ولفظ الجلالة اسمها.
"عَنْ عِبَادِهِ": متعلق بـ "يقبل"، وتعديته بـ "عن" لتضمينه معنى العفو والصفح؛ أي يعفو عن ذنوبهم ويقبل توبتهم.
"وَيَأْخُذُ": عاطف ومضارع مرفوع وفاعله مستتر.
"الصَّدَقَاتِ": مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
"وَأَنَّ اللَّهَ": عاطف وتوكيد واسمها.
"هُوَ": ضمير فصل.
"التَّوَّابُ": خبر أول مرفوع بالضمة (صيغة مبالغة).
"الرَّحِيمُ": خبر ثانٍ مرفوع بالضمة الظاهرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تحرير القلوب من الوسائط والتعلق بالبشر: لما كان النبي ﷺ هو الآخذ للصدقة والمستغفر لهم في الآية السابقة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً}، جاءت هذه الآية مباشرة لتربط القلوب بالخالق العظيم؛ فبينت أن النبي ﷺ إنما هو واسطة تبليغ وقبض شرعي، أما القابل الحقيقي والمثيب والآخذ الذي يتفضل بالتوبة فهو الله وحده لا شريك له.
الاقتران البديع بين التوبة والصدقة: قرن قبول التوبة بأخذ الصدقات؛ لبيان أن الصدقة من أعظم براهين التوبة العملية ومكفرات الذنوب، كما في الحديث الصحيح: "والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار".
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التشبيه والتجسيم في إثبات "أخذ الصدقات باليد أو اليمين": كيف يقال إن الله يأخذ الصدقات وله يمين؟
الدفع والمحاكمة العقدية السنية الصافية:
مذهب سلف الأمة وأئمة أهل السنة والجماعة إمرار هذه النصوص كما جاءت، مع الإيمان الجازم بما دلت عليه من كمال الفضل والقدرة والصفات اللائقة بجلال الله وعظمته، ونفي المشابهة والمماثلة لخلقه نفياً قاطعاً: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
فأخذ الله للصدقات حقيقة على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، واليمين صفة كمال تليق بذاته العلية دون تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل؛ ومقصود النص ترسيخ عظم ثواب الصدقة ومحبة الله لها وبركته فيها لصاحبها.
إضافة العباد إلى ياء المتكلم والضمير {عِبَادِهِ}: إضافة تشريف ورحمة ورأفة؛ تفتح أبواب الأمل للعصاة والمقصرين بأنهم ما زالوا في حياض عبوديته وتغمده برحمته وفضله.
صيغة "التَّوَّاب" المبالغة: تدل على كثرة توبته على عباده وتكررها بتكرر خطيئاتهم إذا رجعوا وأنابوا؛ فمهما تعاظمت الذنوب فمغفرة الله وتوبته أعظم وأوسع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استشعار يد الرحمن عند بذل الصدقة: يستشعر المؤمن الصادق هيبة وجلال هذا النص حين يضع الدرهم في يد الفقير؛ فيتصدق بأطيب ماله، خاشعاً متواضعاً، مستحضراً أن صدقته تقع في يد الكريم المنان الذي سينميها له حتى تغدو أعظم من الجبال.
قطع صكوك الغفران والكهنوت: الآية قاعدة إسلامية كبرى تهدم كل مظاهر الوساطة الكهنوتية والتحكم البشري في مغفرة الخطايا؛ فالمسلم يتوب إلى ربه مباشرة دون حاجة لوسيط ولا اعتراف أمام قسيس أو شيخ؛ فالله وحده هو التواب الرحيم.