أسباب النزول ومرويات الباب: نزلت هذه الآية الكريمة بياناً للعلة الشرعية والعقلية في إسقاط عهود المشركين، وتأكيداً لاستثناء قبائل قريش وحلفائها الذين عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم عند المسجد الحرام في صلح الحديبية عام ست من الهجرة ولم ينقضوا عهدهم، كبني كنانة وبني ضمرة، أو استثناء أهل الوفاء منهم حتى تنقضي مدتهم.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 140)جامع البيانالطبري١٤/١٤٠: هذا استفهام إنكاري بمعنى التعجب والنفي؛ أي كيف يصح ويثبت أن يكون لهؤلاء المشركين عهد وأمان عند الله وعند رسوله وهم أهل كفر وغدر وعداوة مستحكمة؟ إلا طائفة خاصة عاهدتموهم عند المسجد الحرام (في الحديبية)، فما ثبتوا على الوفاء لكم ولم يظاهروا عدواً فاثبتوا لهم على عهدهم وأتموه.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 112)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١١٢: يبين تعالى حكمته في البراءة من المشركين وإمهالهم أربعة أشهر، مبيناً أن طبيعة الشرك والغدر لا تؤتمن، إلا أولئك المعاهدين عند المسجد الحرام؛ فإن استقاموا على عهدهم فاستقيموا لهم، فإن الله يحب المتقين الذين يفون بالعهود ما دام الطرف الآخر وفياً.
ذكر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 83)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٨٣: المعاهدون عند المسجد الحرام هم قريش ومن دخل في حلفهم يوم الحديبية، وقد نقضت قريش وبنو بكر العهد، وبقي من بني ضمرة وبني كنانة من وفى؛ فبينت الآية قاعدة المعاملة بالمثل المنضبطة بالتقوى: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ}.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 329)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٢٩: لا ينبغي أن يوثق بالمشركين لكثرة غدرهم وخيانتهم، إلا من ظهرت استقامته منهم؛ والاستقامة في المعاهدات مبنية على التبادل: فما داموا مستقيمين على الوفاء بالعهد فالواجب الاستقامة لهم ومحبة التقوى تقتضي ذلك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
كَيْفَ: اسم استفهام مبني على الفتح، والاستفهام هنا خرج عن معناه الحقيقي إلى الإنكار والتعجب واستبعاد أن يكون للغادرين عهد محترم.
عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: العندية هنا مكانية للمجاورة؛ لأن الحديبية بعضها في الحل وبعضها في الحرم، وسمي عهدهم عند المسجد الحرام لشرفه وقربه.
اسْتَقَامُوا: استقام الشيء إذا ثبت واعتدل ولم يمل، واستقامة العهد عدم نقضه والمضي على شروطه دون غدر أو انحراف.
الإعراب التفصيلي:
كَيْفَ: اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال من اسم يكون المؤخر، أو خبر مقدم لـ يكون.
يَكُونُ: فعل مضارع ناقص ناسخ مرفوع بالضمة الظاهرة.
لِلْمُشْرِكِينَ: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر يكون مقدم.
عَهْدٌ: اسم يكون مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
عِندَ اللَّهِ: ظرف مكان متعلق بمحذوف نعت لـ عهد، ولفظ الجلالة مضاف إليه.
وَعِندَ رَسُولِهِ: معطوف عليه.
إِلَّا: أداة استثناء.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء من المشركين.
عَاهَدتُّم: فعل وفاعل، والجملة صلة الموصول.
عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ: ظرف مكان نعت أو متعلق بـ عاهدتم، والمسجد مضاف إليه، والحرام نعت مجرور.
فَمَا: الفاء فصيحة، ما شرطية ظرفية زمانية (أو مصدرية ظرفية تقديره: مدة استقامتهم).
اسْتَقَامُوا: فعل ماض مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو فاعل.
لَكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ استقاموا.
فَاسْتَقِيمُوا: الفاء رابطة لجواب الشرط، استقيموا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
لَهُمْ: جار ومجرور متعلق بـ استقيموا.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: إن واسمها، وجملة يحب المتقين خبرها.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نصب {عِندَ} ورفع {عَهْدٌ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إيضاح الحكمة والعدالة: بعد أن أصدرت الآيات السابقة أوامر حاسمة بإنهاء العهود وقتال الناكثين، جاءت هذه الآية بأسلوب الاستفهام الإنكاري لتقنع العقول وتخاطب الوجدان: كيف يستحق هؤلاء المشركون عهداً وأماناً وهم يتربصون بكم الدوائر وينقضون المواثيق متى ظفروا بكم؟! فالحكم بالبراءة ليس تعسفياً بل هو استجابة لواقع غدرهم.
قاعدة التبادلية الأخلاقية: صاغت الآية ميزاناً ذهبياً في العلاقات الدولية: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ}؛ فلا تساهل مع الغادر، ولا ظلم للمستقيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نقض العهد لمجرد الريبة أو التشكك في النيات:
يزعم البعض أن قول الله {كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ} يبيح للمسلمين نبذ عهودهم مع غير المسلمين بناء على سوء الظن المجرد ودون حدوث خيانة فعلية.
الرد والمحاكمة العقلية:
لو كان الحكم يبنى على سوء الظن المجرد لما استثنى الله الموفين بقوله {إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّم عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ}، ولما أوجب الاستقامة لهم بقوله {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ}.
الإنكار في الآية منصب على فئة المشركين المحاربين الذين عُرفوا تاريخياً وواقعياً بنكث العهود والخيانة؛ فالمعنى: كيف يكون لهؤلاء عهد مع ثبوت خيانتهم المتكررة؟
التشريع الإسلامي يفرق بصرامة بين الموفي الذي تجب الاستقامة له ديناً وتقوى، وبين الناكث الذي أسقط حرمة نفسه بيده وبغدره.
الاستفهام الإنكاري التعجبي: تصدير الآية بـ {كَيْفَ} يثير انتباه السامع ويحرك عقله لاستحضار سجل المشركين الأسود في نقض العهود واضطهاد المستضعفين بمكة، مما يجعل البراءة منهم أمراً بديهياً تقتضيه العدالة.
الإيجاز البليغ في الشرط والجزاء: {فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ}؛ كلمتان متناظرتان في الشرط والجواب اختصرتا كل قواعد المعاملة بالمثل والوفاء المتبادل في السياسة الشرعية.
تكرار التعليل بالتقوى: ختام الآية بـ {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} للمرة الثانية في بضع آيات؛ للتأكيد على أن الالتزام بالأخلاق العسكرية هو محك التقوى الحقيقي، وأن المسلم لا يدفعه بغض أعدائه إلى ترك العدل معهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الوعي السياسي واليقظة: لا يجوز لأهل الإيمان أن يكونوا سذجاً يلدغون من الجحر مرتين؛ فالتعامل مع الخصوم يجب أن ينبني على الواقع واليقظة وسبر الأفعال لا مجرد الوعود اللفظية.
الثبات على المبدأ ما ثبت الطرف الآخر: الاستقامة على العهود شرف للمسلم يلتزم به ما التزم خصمه، فإذا مال الخصم وغدر واجهه بالحزم والعدل.