نكث الميثاق وسقوط الأقنعة: أجمع المفسرون على أن هذه الآية تمثل مشهد السقوط والانتكاس؛ فلما استجاب الله دعاءهم وفتح عليهم من واسع رزقه وفضله، لم يفوا بما عاهدوا عليه، بل ارتكبوا ثلاث جنايات متتابعة:
{بَخِلُوا بِهِ}: أمسكوا المال ومنعوا حق الله وحق الفقراء وحق الجهاد فيه.
{وَتَوَلَّوا}: أدبروا عن طاعة الله وأوامر رسوله ﷺ ونكصوا عن عهودهم ومواثيقهم.
{وَّهُم مُّعْرِضُونَ}: الإعراض القلبي التام المستمر؛ فهم لم يتولوا على استحياء أو ندامة، بل أدبروا مصرين على جحودهم مستكبرين بقلوبهم.
أقوال أئمة التفسير: قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/176): "أي: فلما أعطاهم الله ما تمنوه بخلوا بإخراج الصدقة منه، وتولوا عن طاعة رسوله، وهم معرضون عن الحق بالكلية". وقال القرطبي: "جمعوا بين البخل بالمال، والتولي عن الطاعة، والإعراض بالقلوب، وهذا هو غاية الشقاء والخسران".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الفرق الدقيق بين التولي والإعراض:
التولي: يكون بالجوارح والبدن؛ كالإدبار بالجسد والهروب من أداء الواجب.
الإعراض: يكون بالقلب والنفس؛ وهو انصراف النية والهمة عن الحق والنفور منه. والجمع بينهما في الآية: {وَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ} يدل على استغراق الردة والنكث ظاهراً وباطناً بالجوارح والقلوب معاً.
الإعراب المفصل:
"فَلَمَّا": الفاء عاطفة تفيد السببية، "لمّا" ظرفية زمانية شرطية غير جازمة مبنية على السكون متضمنة معنى الشرط خافضة لشرطها متعلقة بجوابها.
"آتَاهُم": فعل ماض مبني على الفتح المقدر، والفاعل مستتر يعود على الله، وهم مفعول به أول.
"مِّن فَضْلِهِ": جار ومجرور متعلق بـ "آتاهم"، والهاء مضاف إليه، وجملة الشرط في محل جر مضاف إليه لـ "لما".
"بَخِلُوا": فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل، والجملة جواب شرط غير جازم لا محل لها من الإعراب.
"بِهِ": جار ومجرور متعلق بـ "بخلوا".
"وَتَوَلَّوا": الواو عاطفة، "تولوا" ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة، والواو فاعل.
"وَّهُم": الواو حالية، "هم" ضمير منفصل مبتدأ في محل رفع.
"مُّعْرِضُونَ": خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو "تولوا".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة الجزاء والانقلاب بالفاء: ربط قوله: {فَلَمَّا آتَاهُم} بالفاء العاطفة يدل على سرعة نكثهم وتبدل أحوالهم بمجرد ملامسة النعمة لأيديهم؛ فلم يكن هناك تردد ولا مجاهدة، بل طغى الشح على طباعهم فوراً كما قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ}.
الجملة الحالية الاسمية {وَّهُم مُّعْرِضُونَ}: مجيء الحال جملة اسمية مفيدة للثبوت والدوام، يدل على أن إعراضهم صفة راسخة متجذرة لا يرجى معها إنابة ولا رجوع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تبرير الإمساك بحفظ المال وتنميته: قد يزعم من يقع في هذا الشح أنه لم يبخل كفراً، بل أراد استثمار المال وتنميته ليكثر خيره في المستقبل!
الدفع والمحاكمة العقلية: هذا هو عين تلبيس إبليس وغرور الأماني؛ فالمال مال الله، وفضل الله إنما يُستجلب ويُحفظ بشكره وأداء حق الفقراء فيه، ومن بخل بالواجب الفوري بدعوى التوسعة المستقبلية فقد سلك مسلك هؤلاء الذين دمغتهم الآية بالبخل والتولي والإعراض، واستجلبوا على أنفسهم الخذلان والنفاق القلبي المظلم.
الإيجاز الدقيق في تصوير الطغيان المالي: تلخص الآية في كلمات معدودات دورة الانتكاس الإنساني: من التمسكن والتوسل بالعهود إلى الجحود والاستكبار والإدبار بمجرد حيازة المال.
عود الضمير في {بَخِلُوا بِهِ}: يعود إلى الفضل؛ أي بخلوا بالفضل الذي تفضل الله به عليهم ولم يكن من كسبهم ولا حيلتهم، وهو ما يضاعف شناعة وقبح صنيعهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فتنة المال واختبار الرخاء: الرخاء أشد خطراً على القلوب من البلاء والفقر؛ فالفقر قد يدفع العبد إلى التضرع والانكسار، بينما الغنى قد يطغي النفس ويقود إلى التولي والإعراض إذا لم يعصمها الله بالتقوى والإيمان.
الحذر من نكث العهود مع الله: كل عهد يقطعه العبد بينه وبين ربه في التوبة أو الصدقة أو الصلاح يجب عليه أن يعض عليه بالنواجذ ويبادر إلى تنفيذه فوراً؛ لأن التردد والنكث يفتح أبواب الخذلان الإلهي.