أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والحاكم في المستدرك عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في قوله تعالى: {جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} قال: "جاهد الكفار بالسيف والسلاح، والمنافقين باللسان وإقامة الحدود عليهم بالبينات، فإن لم تستطع فاكفهر في وجوههم واغلظ عليهم".
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "أمره الله تعالى بجهاد الكفار بالسيف، وبجهاد المنافقين باللسان، والوعظ، والحجة، وشدة القول، وإلزامهم حكم الشريعة".
وقال الحسن البصري وقتادة: "جهاد المنافقين: إقامة الحدود عليهم، والغلظة في القول، وكشف أستارهم، ومنابذتهم إذا ظهر كفرهم وبان أمرهم".
ورجح الإمام ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/174) أن الجهاد المأمور به عام يستغرق كل وسيلة شرعية؛ فجهاد الكفار بالقتال والسيف، وجهاد المنافقين بالحجة والبيان، والزجر والتقريع، وإقامة الحدود، وإسقاط مكانتهم ودرء فتنتهم عن المسلمين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "الغلظة" اشتقاقاً وبلاغة:
الغِلَظ والغِلْظة: ضد الرقة واللين، وتكون في القول، والقلب، والفعل، والأخلاق؛ والمقصود هنا الغلظة في الدين؛ أي لا تأخذك بهم رأفة في دين الله، ولا تهادنهم في إقامة الحق، ولا تلاينهم ملاينة تدعوهم إلى الطمع في الطعن في الإسلام، كقوله تعالى: {وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً}.
دلالة "المأوى":
المأوى: اسم مكان من أَوَى يَأْوِي، وهو المكان والمقر الذي يرجع إليه الإنسان ويلتجئ إليه للاستقرار والاعتصام؛ والتعبير به عن جهنم تهكم شنيع بهم؛ لأن المأوى يكون للراحة والأمن، وجهنم غاية الهلاك والاضطرام.
الإعراب المفصل:
"يَا": حرف نداء مبني على السكون.
"أَيُّهَا": "أيّ" منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب، والهاء للتنبيه.
"النَّبِيُّ": نعت لـ "أيّ" مرفوع بالضمة لفظاً تبعاً للفظ المنادى.
"جَاهِدِ": فعل أمر مبني على السكون، وحُرّك بالكسر عارضاً لالتقاء الساكنين، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
"الْكُفَّارَ": مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
"وَالْمُنَافِقِينَ": معطوف منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
"وَاغْلُظْ": الواو عاطفة، "اغلظ" فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
"عَلَيْهِمْ": جار ومجرور متعلق بـ "اغلظ".
"وَمَأْوَاهُمْ": الواو حالية أو استئنافية، "مأوى" مبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر، والهاء مضاف إليه، والميم للجمع.
"جَهَنَّمُ": خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
"وَبِئْسَ": الواو استئنافية، "بئس" فعل ماض جامد لإنشاء الذم مبني على الفتح.
"الْمَصِيرُ": فاعل بئس مرفوع بالضمة، والمخصوص بالذم محذوف تقديره (هي، أي جهنم)، والجملة في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أو استئنافية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان المفاصلة الحاسمة بعد طول الإمهال: بعد أن استعرضت الآيات السابقة شناعات المنافقين ونقضهم للعهود ولمزهم للصدقات واستهزاءهم بالدين، جاء هذا النداء العلوي ليرسم استراتيجية التعامل الحاسم؛ فقد انتهت مرحلة الاستيعاب الهادئ والتغافل اللطيف، وبدأت مرحلة الجهاد والغلظة والمحاصرة النفسية والاجتماعية والشرعية لكيدهم.
الاقتران بين جهاد الكفار والمنافقين: جمع بينهما في الأمر بالجهاد لأن خطرهما متكامل؛ فالكافر يهاجم حصون الإسلام من الخارج، والمنافق ينخر في بنيان الأمة من الداخل؛ فالجهاد متوجه إلى الصنفين معاً بحسب ما يناسب كل صنف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة معارضة الغلظة لقوله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ} وقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ}: يزعم المستشرقون وأعداء الإسلام وجود تعارض بين لين النبي ﷺ ورحمته وبين أمره هنا بالغلظة والجهاد!
الدفع والمحاكمة العقلية والتربوية المتكاملة:
الرحمة واللين مطلوبان في مقام التأليف ودعوة المستجيبين وإصلاح المخطئين الضعفاء، ولكن اللين مع المجرم المصر والمستهزئ المتمرد يُعد ضعفاً ومهادنة تُغري بانتهاك المحارم وإسقاط هيبة الشريعة.
كمال الأخلاق والرحمة يقتضي وضع السيف في موضعه والندى في موضعه؛ فالطبيب الحاذق يداوي بالبلسم، فإذا استشرى الخبيث بتره بالمبضع حماية لجسد المريض. فالغلظة هنا رحمة بالأمة المسلمة لحمايتها من الانهيار الداخلي، وزجر رادع لأولئك المنافقين لعلهم يثوبون إلى رشدهم.
التهكم البليغ بلفظ {وَمَأْوَاهُمْ}: إطلاق اسم المأوى على جهنم مجاز تهكمي، كأنه قيل لهم: هذا هو المأوى والملجأ الذي تنتظرونه وتؤولون إليه بعد مكركم وخداعكم، وبئس هذا المرجع المنقلب.
صيغة الذم المطلق {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}: حذف المخصوص بالذم للإشعار بأنه أشهر من أن يُذكر، وأن العقل البشري يقرر بداهة أن مصيراً آخره نار جهنم هو أقبح المصائر وأشدها خسراناً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوازن النبوي بين اللين والحزم: تعلم الأمة وقادتها أن الدعوة الإسلامية تمتلك جناحين: جناح الرحمة والملاينة للمقبلين والباحثين عن الحق، وجناح الحزم والصلابة والغلظة في وجه المستكبرين والمنافقين الذين يريدون هدم ثوابت الملة.
اليقظة الفكرية والسياسية في المجتمع المسلم: تحريم الركون للمنافقين ومداهنتهم، وإلزامهم بالنزول على أحكام الشريعة، وإظهار العزة الإيمانية في مناظرتهم ودحض باطلهم.