أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن عبد الله بن مسعود وابن عباس رضي الله عنهم: "لما نزلت: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم}، قال الصحابة: يا رسول الله، ومن هؤلاء المؤمنون الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم؟ فنزلت هذه الآية لتبين نعوتهم وأوصافهم الإيمانية التسعة: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ...}".
تفسير السلف للأوصاف التسعة المفصلة:
{التَّائِبُونَ}: الراجعون من الشرك والمعاصي والذنوب إلى طاعة الله وإخلاص التوحيد.
{الْعَابِدُونَ}: المقيمون على عبادة الله القانتون له المخلصون في جميع أحوالهم.
{الْحَامِدُونَ}: الشاكرون لله على سائر نعمائه في السراء والضراء، الحامدون له في كل حال.
{السَّائِحُونَ}: اختلف أئمة السلف في معناها على أقوال متضافرة:
قول الجمهور (ابن مسعود، ابن عباس، قتادة، سفيان الثوري، الإمام أحمد): هم الصائمون؛ لأن الصائم يسيح في طاعة الله بترك شهواته وملاذه كما يسيح السائح بترك وطنه؛ وفي لغة العرب يُطلق على الصائم "سائح".
قول عكرمة ومجاهد: هم طلبة العلم الذين يسيحون في الأرض لطلب علم الشريعة والحديث.
قول أبي أمامة في الحديث المرفوع: هم المجاهدون في سبيل الله؛ لحديث: "سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله" (أخرجه أبو داود).
{الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ}: المصلون المكثرون من الركوع والسجود، وعُبر بهما عن الصلاة لأنهما أشرف أركانها.
{الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ}: الدعاة إلى التوحيد والإيمان وكل ما أمر به الشرع واستحسنته الفطر.
{وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ}: القائمون على فرائض الله الواقفون عند محارمه، وهو الوصف الجامع المحيط لكل التكاليف.
خاتمة البشارة: {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}؛ أطلق البشارة ولم يعين المبشر به ليعم كل خير وكرامة في الدنيا والآخرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
سر اقتران العطف بالواو في {وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ} دون ما قبلها:
سردت الآية الصفات الست الأولى بغير عطف: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ}، ثم لما جاء عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عطف بالواو فقال: {الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ}:
لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خصلتان متلازمتان تلازم الإيجاب والسلب كشيء واحد لا ينفصل أحدهما عن الآخر.
وقيل: هي "واو الثمانية" في لغة بعض العرب التي تلحق الصفة الثامنة في التعداد (كنظيرتها في سورة التحريم: {ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا}، وسورة الكهف: {وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ}).
الإعراب المفصل:
"التَّائِبُونَ": مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، وخبره محذوف تقديره (هم أهل الجنة أو هم المبايعون)، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هم التائبون)، أو مدح منصوب على إضمار أعني.
"الْعَابِدُونَ... السَّاجِدُونَ": نعوت أو أخبار متتابعة مرفوعة بالواو.
"الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ": نعت أو خبر، وبالمعروف متعلق به.
"وَبَشِّرِ": الواو استئنافية، "بشر" فعل أمر مبني على السكون وحُرك بالكسر لالتقاء الساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
"الْمُؤْمِنِينَ": مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رسم الشخصية الإسلامية المتكاملة: لما عقد الله بيعة الشراء مع المؤمنين في الآية السابقة، خشي المنافق أو المفرط أن يظن أن مجرد حمل السيف يكفي لنيل الجنة؛ فجاءت هذه الآية لترسم المعالم الروحية والأخلاقية والتعبدية للمجاهد؛ فهو ليس مقاتلاً متوحشاً ولا مرتزقاً يطلب الغنائم، بل هو عابد تائب خاشع، راكع ساجد، آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر، وقاف عند حدود الله.
الخاتمة الإطلاقية في {وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}: حذف المبشر به في البشارة النبوية لتهويل الأمر وتعميمه؛ فالبشارة بالظفر والنصر والتمكين في الدنيا، وبالرضوان والحور العين والفردوس الأعلى في الآخرة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تصوير المجاهد الإسلامي كإنسان دموي مجرد من الروحانية: تروج الدوائر المعادية صورة مشوهة عن المجاهد في سبيل الله بأنه إرهابي متعطش للدماء.
الدفع والمحاكمة العقلية والقرآنية الصارعة:
هذه الآية الكريمة هي أعظم رد صاعق ينسف هذه الفرية؛ فالقرآن يقرر أن المجاهد الحق هو الذي تتصدر صفاته: التوبة، والعبادة، والحمد، والصيام، والركوع، والسجود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وحفظ حدود الله ومحارمه حتى في ساحات الحرب؛ فلا يغدر، ولا يمثل، ولا يقتل امرأة ولا طفلاً ولا راهباً في صومعته؛ فجهاده منبثق عن أسمى منظومة أخلاقية عرفتها البشرية.
صيغ الفاعل الجمعية (التائبون، العابدون...): مجيء الأوصاف بصيغة اسم الفاعل يدل على الثبوت والرسوخ والتلبس الدائم بهذه الصفات الجليلة حتى صارت سجية متجذرة فيهم.
الختام بالوصف الجامع {وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ}: براعة اختتام مذهلة؛ لأن حفظ حدود الله يستغرق كل ما تقدم من الأوامر والنواهي والفرائض، ويعصم المسلم من الغلو والابتداع والتفريط.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوازن بين العمل الجهادي والبناء الإيماني الداخلي: لا جهاد ولا نصر حقيقي للأمة إلا إذا كانت الجبهة الداخلية عامرة بالتوبة والصلاة والصيام والاستقامة على أمر الله؛ فالانتصار يبدأ في محراب العبادة قبل ساحة القتال.
شمولية رسالة المسلم: المسلم لا ينعزل في صومعته مكتفياً بالصلاة والذكر، بل ينطلق مصلحاً آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر، حارساً لحدود الشريعة ومدافعاً عن كرامة الأمة.