أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس والحسن البصري وقتادة ومجاهد: أن المعنى: فأورثهم الله وصيّر عاقبة بخلهم ونكثهم عهودهم أن ثبّت النفاق ورسخه في قلوبهم وألزمهم إياه، فلا يهتدون بعد ذلك إلى توبة ولا يوفقون لإيمان حتى يموتوا ويلقوا ربهم عليه!
قال الحسن البصري رحمه الله: "هذا والله جزاء من أخلف الله ما وعده؛ أعقبه الله نفاقاً في قلبه إلى يوم يلقاه، فنعوذ بالله من مكر الله ونعوذ بالله من النفاق".
وذكر ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/176): "أي: فأورثهم هذا الصنيع نفاقاً مستقراً في قلوبهم إلى يوم القيامة، يوم يلقون الله تعالى، وذلك بسبب إخلافهم الوعد وكذبهم؛ كما ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال: 'آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان'".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "الإعقاب" لغة:
أعقب يُعقب إعقاباً: مأخوذ من العَقِب وهو المؤخر من القدم، ويقال: أعقبه الشيء إذا صيّره عاقبة له وخلفاً وأورثه إياه، كقولهم: "أعقبه الدواء شفاءً"، و"أعقبه الذنب ندامة".
مرجع الضمير في {يَلْقَوْنَهُ}:
فيه قولان لأئمة التفسير والنحو:
يعود إلى الله تبارك وتعالى؛ أي إلى يوم يلقون الله فيه وهو يوم القيامة للحساب والجزاء، وهذا قول الجمهور واختيار ابن جرير وابن كثير، كقوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ}.
يعود إلى الجزاء أو النفاق أو الموت والهلاك؛ أي إلى يوم يلقون جزاء عملهم ونفاقهم.
الإعراب المفصل:
"فَأَعْقَبَهُمْ": الفاء عاطفة سببية، "أعقبَ" فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى (أو على البخل)، وهم ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول.
"نِفَاقًا": مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
"فِي قُلُوبِهِمْ": جار ومجرور شبه جملة في محل نصب نعت لـ "نفاقاً".
"إِلَىٰ يَوْمِ": جار ومجرور متعلق بـ "أعقبهم"، و"يومِ" مضاف.
"يَلْقَوْنَهُ": مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به، والجملة الفعلية في محل جر مضاف إليه لـ "يوم".
"بِمَا": الباء حرف جر للسببية، "ما" مصدرية.
"أَخْلَفُوا": فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل، والمصدر المؤول (بإخلافهم) في محل جر بالباء متعلق بـ "أعقبهم".
"اللَّهَ": لفظ الجلالة مفعول به أول لـ "أخلفوا" منصوب بالفتحة.
"مَا": اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ.
"وَعَدُوهُ": ماض وفاعله ومفعوله، والصلة لا محل لها.
"وَبِمَا": عاطف وجار ومجرور بمصدرية ثانية.
"كَانُوا": ماض ناقص واسمه.
"يَكْذِبُونَ": مضارع مرفوع بثبوت النون، والجملة خبر كانوا، والمصدر المؤول معطوف على ما قبله؛ أي: وبسبب كذبهم واستمرارهم عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الختم الإلهي الصارم والانتكاس النهائي: تبين الآية أخطر درجات العقوبة الإلهية في الدنيا؛ فليست العقوبة دائماً زوال مال أو مرض جسد، بل أشد العقوبات هي "العقوبة القلبية" بسلب التوفيق وطبع النفاق في سويداء القلب حتى الممات؛ جزاء وفاقاً لخيانة العهد والكذب المستمر.
التعليل المزدوج بالجريمتين (الإخلاف والكذب): جمعت الآية بين سببي الانتكاس: {بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ} وهو خيانة العهد في السلوك والعمل، و{وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} وهو خيانة اللسان ومخالفة الباطن للظاهر، وهما الركيزتان الكبريان لصناعة النفاق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الجبر وإغلاق باب التوبة من الله: قد يقول قائل: إذا كان الله قد أعقبهم نفاقاً في قلوبهم إلى يوم يلقونه، فكيف يُلامون وهم مجبورون على هذا النفاق؟
الدفع والمحاكمة العقلية والسنية المحكمة:
الله تبارك وتعالى لا يظلم أحداً مثقال ذرة، ولم يبتدئهم بالنفاق ابتداءً، وإنما كان النفاق جزاءً عادلاً وثمرة طبيعية لاختيارهم الفاسد وبخلهم ونكثهم عهودهم وكذبهم المتكرر؛ قال تعالى: {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}، وقال: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ}.
فهذا الإعقاب القلبي هو عقوبة سننية قدرية تقع على من تمادى في المعصية واستمرأ الكذب ونكث المواثيق حتى ران على قلبه ما كان يكسب، فسُدت عليه مسالك الهداية بعدله سبحانه وحكمته البالغة جزاء وفاقاً لما كسبت يداه.
تحديد مستقر النفاق في {فِي قُلُوبِهِمْ}: لم يقل "أعقبهم نفاقاً" ويسكت، بل قيّده بـ {فِي قُلُوبِهِمْ} للدلالة على أنه تمكن من أصل الشجرة ورسخ في المضغة التي إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله، فأصبح نفاقاً باطنياً عقائدياً مدمراً لا فكاك منه.
امتداد الأجل المشؤوم إلى {إِلَىٰ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ}: غاية زمنية مرعبة تقطع كل أمل في الصلاح، وتفيد استمرار هذا الرين والخذلان مصاحباً للعبد حتى خروج روحه ومواجهته لربه سبحانه وتعالى في ساحة الحساب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الخوف العظيم من العقوبات القلبية الخفية: يجب على المؤمن أن يكون أشد حذراً وخوفاً من قسوة القلب والرين والنفاق من خوفه من الفقر والأمراض؛ فإن أشنع خذلان يصاب به العبد أن يُسلَب نور التوفيق وتُطبَع على قلبه الغفلة وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.
تطابق الحديث الشريف مع التنزيل الحكيم: تتأكد رعاية المسلم للأمانة والصدق والوفاء بالوعد؛ فإن خفر الذمم والتساهل في الكذب وإخلاف الوعد بذور خبيثة تسقي شجرة النفاق في القلب حتى تهلك صاحبها.