تكرار الآية وسر البلاغة النبوية والقرآنية في إعادتها:
وردت هذه الآية بنص مقارب في الآية (55) من هذه السورة الكريمة: {فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}.
وبيّن أئمة التفسير (الطبري، الزمخشري، ابن كثير، القرطبي) أن هذا التكرار ليس تكراراً محضاً، بل له أسرار بلاغية وسياقية معجزة:
اختلاف السياق والمقام: الآية الأولى (55) وردت بعد ذكر بخلهم ونفقاتهم التي لا تُقبل، فنهى الله عن الإعجاب بأموالهم الممسكة؛ أما الآية الحالية (85) فوردت بعد ذكر موتهم وفضائحهم وحرمانهم من الصلاة والاستغفار، فناسب تجديد النهي والتحذير من الاغترار بما خلفوه وراءهم من التركات الضخمة والأولاد والأتباع؛ لبيان أن كل ما تركوه صار حسرة وعذاباً عليهم.
تثبيت الحقيقة في القلوب: النفوس البشرية مجبولة على الانبهار بالمظاهر المادية ووفرة الثروة والأولاد، فتكرار النهي تأكيد قطعي لاستئصال هذا الانبهار من جذوره.
تفسير العذاب الدنيوي وزهوق الأنفس:
قال قتادة والضحاك: تعذيبهم بها في الدنيا هو ما يكابدونه من مشقة جمعها والخوف عليها، وما يُفرض عليهم من زكاة ونفقات يدفعونها رياءً وكرهاً دون ثواب، وما يلحقهم من المصائب في أولادهم.
{وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}: تخرج أرواحهم بشدة وعسر وهم على كفرهم، فينتقلون من عذاب الدنيا إلى عذاب جهنم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "زهوق النفس" لغة:
زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ زُهُوقاً: خرجت بشدة ومشقة وتلف، وأصل الزهوق: الهلاك والاضمحلال، ومنه: {إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}. واستعماله مع المنافق والكافر يصور لحظة الاحتضار المؤلمة حين تنزع الروح من الجسد كنزع السفود من الصوف المبلول، بعكس نفس المؤمن التي تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء.
في الآية (55): كرر النفي {وَلَا أَوْلَادُهُمْ}، وهنا عطف مباشرة {وَأَوْلَادُهُمْ} طلباً للإيجاز بعد وضوح المعنى.
في الآية (55): قال {لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} باللام ولفظ الحياة، وهنا قال: {أَن يُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الدُّنْيَا} بالمصدرية وترك كلمة "الحياة" للإيجاز والتوكيد.
الإعراب المفصل:
"وَلَا": الواو استئنافية، "لا" ناهية جازمة.
"تُعْجِبْكَ": مضارع مجزوم بالسكون، والكاف مفعول به مقدم.
"أَمْوَالُهُمْ": فاعل مؤخر مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه.
"وَأَوْلَادُهُمْ": معطوف مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه.
"إِنَّمَا": كافة ومكفوفة أداة حصر.
"يُرِيدُ": فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة.
"اللَّهُ": لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة.
"أَن": حرف مصدري ونصب.
"يُعَذِّبَهُم": مضارع منصوب بالفتحة، وهم مفعول به، والفاعل مستتر تقديره هو.
"بِهَا": متعلق بـ "يعذبهم".
"فِي الدُّنْيَا": متعلق بـ "يعذبهم"، والمصدر المؤول (تعذيبهم) في محل نصب مفعول به للفعل "يريد".
"وَتَزْهَقَ": معطوف على "يعذبهم" منصوب بالفتحة الظاهرة.
"أَنفُسُهُمْ": فاعل مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه.
"وَهُمْ كَافِرُونَ": الواو حالية، جملة اسمية في محل نصب حال من الضمير في أنفسهم أو من المفعول به في يعذبهم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط القداسة عن الثروات الزائفة: لما حرم الله الصلاة عليهم والقيام على قبورهم، قد يخطر ببال ضعاف النفوس: كيف يُعاملون بهذه الإهانة وهم أصحاب أموال طائلة وبيوت فارهة وأولاد كثر وأنساب رفيعة في المدينة؟ فجاءت الآية لتسلب هذه المظاهر كل بريق، مبينة أن هذه النعم الظاهرة إنما هي في الحقيقة فخ واستدراج وعذاب نفسي ومادي مقنع.
الخاتمة البئيسة في {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ}: تجسيد المشهد الختامي المحتوم؛ فلا الأموال منعت الموت، ولا الأولاد ردوا عذاب القبر، بل خرجت نفوسهم مقهورة حسيرة على ما فرطوا في جنب الله لتستقر في دركات الجحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدّ النعمة عذاباً وكيف يكون المال والولد نقمة: كيف يصف القرآن كثرة المال والولد بأنها عذاب للمنافق، مع أن الغنى والولد زينة الحياة الدنيا ومطلب لكل إنسان؟
الدفع والمحاكمة العقلية والواقعية الصادقة:
المال والولد يكونان نعمة ورحمة وقرة عين إذا استُعملا في طاعة الله وشكره وأداء حقوقه.
أما إذا تجرد الإنسان من الإيمان، فإن المال يتحول إلى شقاء ملازم؛ يكابد العبد في جمعه الحرام، ويعيش في هلع مستمر من نقصانه، ويشح به فيحرم نفسه طيبات الحياة، ثم يفارقه كارهاً ويبقى عليه وزره وحسابه. وكذلك الأولاد يعقونه أو يمرضون أو يموتون فيموت حسرة عليهم، ثم يختم له بسوء الخاتمة؛ فصار المال والولد في حقه أدوات تعذيب نفسي وحسي أعدها الله له استدراجاً في الدنيا ليعظم شقاؤه في الآخرة.
أسلوب الحصر بـ {إِنَّمَا}: قصر إرادة الله هنا على تعذيبهم، للدلالة على أن هذه العطايا الدنيوية خالية تماماً من الكرامة أو المحبة، وإنما هي محض نقمة واستدراج كما قال تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ}.
الجملة الحالية {وَهُمْ كَافِرُونَ}: تفيد ثبوت الشقاء وسوء العاقبة؛ فأعظم المصائب وأشد الخسران أن يفارق العبد الدنيا وهو جاحد لربه ومولاه، محروماً من شرف التوحيد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحرير القلب من استعظام أهل الدنيا: الآية علاج رباني لمرض الانبهار بحضارات الكفر ومظاهر الترف المادي للأمم المنحرفة؛ فالمؤمن ينظر بنور الله ويعلم أن البهرج الزائل يخفي وراءه أرواحاً معذبة ونفوساً ممزقة بالقلق والضياع.
مقياس الفلاح الحقيقي: ترسيخ أن الفضل ليس بكثرة المتاع، بل بطيب القلب وزكاة النفس والإيمان بالله والعمل الصالح؛ فرب أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره، وألف ألف من صناديد النفاق لا يزنون عند الله جناح بعوضة.