سياق نزول الآية في غزوة تبوك (غزوة العسرة): كانت غزوة تبوك في قيظ شديد وحر مهلك، وزمان أينعت فيه الثمار وطابت الظلال، والمسافة شاسعة بين المدينة والشام والعدو هو الروم بقوتهم العاتية؛ فشق الخروج على المنافقين وتثاقلوا، وفرحوا بقعودهم في المدينة آمنين مستظلين.
تفسير السلف ومأثورهم:
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ}: المخلفون هم المنافقون الذين خلفهم الله عن صحبة نبيه ﷺ ولم يوفقهم للجهاد معه لعلمه بخبث نياتهم، ففرحوا بقعودهم وتخلفهم وراء رسول الله في المدينة.
وعن محمد بن كعب القرظي قال: قال رجل من بني سلمة وهو جد بن قيس لمّا أمره النبي ﷺ بالخروج: يا رسول الله ائذن لي ولا تفتني، فقال قومه: لا تنفروا في هذا الحر! فأنزل الله تبارك وتعالى: {وَقَالُوا لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا ۚ لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "المُخَلَّفِين" و"المَقْعَد" و"خِلاف":
الْمُخَلَّفُونَ: اسم مفعول من خَلَّفَهُ، ولم يقل "المتخلفون" بصيغة الفاعل؛ للدلالة على أن قعودهم كان بطرد وتخلية وتثبيط من الله تعالى جزاءً لخبثهم، كما قال في الآية (46): {وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ}.
مَقْعَدِهِمْ: مصدر ميمي بمعنى قعودهم، أو اسم مكان.
خِلَافَ: فيها وجهان نحويان وبلاغيان:
مفعول فيه ظرف مكان بمعنى "وراء" أو "بعد"؛ أي قعدوا وراء رسول الله ﷺ في المدينة بعد خروجه.
مفعول لأجله منصوب بمعنى المخالفة؛ أي فرحوا بقعودهم مخالفةً لرسول الله ﷺ وعصياناً لأمره.
الإعراب المفصل:
"فَرِحَ": فعل ماض مبني على الفتح.
"الْمُخَلَّفُونَ": فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
"بِمَقْعَدِهِمْ": جار ومجرور متعلق بـ "فرح"، والهاء مضاف إليه.
"خِلَافَ": ظرف مكان أو مفعول لأجله منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"رَسُولِ": مضاف إليه مجرور بالكسرة، وهو مضاف.
"اللَّهِ": لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"وَكَرِهُوا": الواو عاطفة، ماض مبني على الضم وفاعله.
"أَن": حرف مصدري ونصب.
"يُجَاهِدُوا": مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ "كرهوا".
"لَّوْ": حرف امتناع لامتناع متضمن معنى التمني والتوبيخ.
"كَانُوا": ماض ناقص واسمه.
"يَفْقَهُونَ": مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة خبر كانوا، وجواب لو محذوف تقديره (لما تخلفوا ولا آثروا حر الدنيا على حر نار جهنم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز انتكاس المقاييس لدى أهل النفاق: يفضح القرآن الرؤية القاصرة البليدة لهؤلاء المنافقين؛ فهم يفرحون بالقعود المؤقت تحت ظلال المدينة اتقاءً لحرارة الشمس التي تزول في ساعات، ويتعرضون بسلوكهم هذا لنار جهنم التي تغلي منها الأدمغة والبطون أبد الآبدين.
المحاكمة العقلية المباشرة بالحوار والمفارقة: جاء قوله: {قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا} جواباً إلهياً حاسماً لا يدع مجالاً للمناظرة؛ فإذا كنتم تفرون من حر الدنيا الزائل، فكيف تطيقون نار جهنم الموقدة التي أوقد عليها ألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الفرح بالنجاة وادعاء العقلانية والواقعية في تجنب الحر والمهالك: يرى أصحاب الفكر المادي أن تجنب المشقة والقعود عن المخاطر في القيظ هو عين الحكمة والواقعية العقلية!
الدفع والمحاكمة العقلية العميقة:
الآية الكريمة ختمت بقوله: {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} لنفي حقيقة الفقه والعقل عنهم؛ فالعقل السليم يقضي بموازنة المنافع والمفاسد العظمى؛ فمن احتمل حراً مؤقتاً لساعات لينال به الفردوس الأعلى ورضوان الله العظيم فهو العاقل الفطن، أما من هرب من شمس يوم واحد ليصلى ناراً أبدية فهو في منتهى السفه والحمق وانعدام الفقه؛ فالفقه الحقيقي هو إدراك عواقب الأمور ومآلاتها الأخروية.
المقابلة البليغة بين حرين: المقابلة الصاعقة بين حر الدنيا المحدود المنقضي، وحر جهنم الأبدي المستعر: {لَا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ ۗ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا}.
نفي الفقه بـ {لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}: التعبير بالفقه (وهو الفهم الدقيق لغوامض الأمور ومقاصدها) ينبئ بأن العلة تكمن في بلادة بصائرهم وموت مشاعرهم الأخروية، حيث استغرقتهم الشهوات الدنيوية الحسية السريعة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الصبر على مشاق الطاعة في سبيل الله: إدراك أن طريق الجنة محفوف بالمكاره والمشاق والابتلاءات؛ فحر الصيف وبرد الشتاء ومفارقة الراحة تهون كلها في جنب ابتغاء مرضاة الله والنجاة من النار.
كشف أساليب التثبيط النفسي: يحذر القرآن من أبواق التثبيط التي ترفع دائماً شعارات التخويف والراحة: "الجو حار، الطريق شاق، الظروف صعبة"، ليظل المؤمنون مستعلين بإيمانهم ماضين في نصرة دينهم.