أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن مجاهد وقتادة والسدي أن هذه الآية الكريمة نزلت استثناءً خاصاً لقبائل من المشركين كانوا قد عاهدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عهداً موقتاً إلى أجل مسمى، وكانوا من أهل الوفاء والأمانة فلم ينقضوا عهدهم، ولم يظاهروا (أي لم يعينوا) كفار قريش ولا غيرهم على حرب المسلمين، كبني كنانة وبني ضمرة؛ فأمر الله رسوله والمؤمنين بالوفاء لهم والتمسك بعهدهم حتى تنقضي مدتهم المحددة في صلحهم.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 128)جامع البيانالطبري١٤/١٢٨: استثنى الله جل ثناؤه من المشركين الذين أمر بنبذ العهود إليهم قوماً حافظوا على شروط العهد، فلم ينقصوا المسلمين شرطاً عاهدوهم عليه، ولم يعينوا عليهم عدواً؛ فأمر بإتمام عهدهم إلى المدة التي ضربوها لأنفسهم، مبيناً أن إتمام العهد للموفي من التقوى التي يحبها الله.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 108)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٠٨: هذا استثناء من إمهال الأربعة أشهر لمن كان عهده مؤقتاً بأجل وهو مستمر على الوفاء، فيوفى له بعهده إلى أجله المضروب ولو زاد على أربعة أشهر، ما لم يحدث نقضاً؛ فأما من كان له عهد مطلق أو نقض عهده فأجله أربعة أشهر لا غير.
بين القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 74)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٧٤: الآية أصل عظيم في حرمة نقض العهود وفضيلة الوفاء لمن وفى؛ فالإسلام لا يبيح الغدر بالمشرك ما دام مستمسكاً بعهده ومسالماً للمسلمين.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 329)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٢٩: قيد الله إتمام العهد بشرطين عظيمين: الأول عدم النقص {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا}، والثاني عدم المظاهرة والإعانة للأعداء {وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا}، فإن استقاموا على هذين الشرطين وجب الوفاء لهم امتثالاً للتقوى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
لَمْ يَنقُصُوكُمْ: النقص نقيض الزيادة والتمام، والمراد هنا: لم ينقصوكم شيئاً من شروط العهد ولا أخلوا بحق من حقوق الأمان والموادعة.
يُظَاهِرُوا: المظاهرة المعاونة والمساعدة، مأخوذة من الظهر، كأن المعين يسند ظهره إلى ظهر المعان فيشتد به ويقويه، ويقال: تظاهروا إذا تعاونوا.
فَأَتِمُّوا: الإتمام إيصال الشيء إلى كماله وغايته بحيث لا يحتاج إلى غيره، وضده النقص.
مُدَّتِهِمْ: المدة الوقت الممتد المحدد المتفق عليه بين الطرفين، مأخوذة من المد وهو البسط والزيادة.
الإعراب التفصيلي:
إِلَّا: أداة استثناء.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل نصب على الاستثناء المتصل من المشركين المعاهدين في الآية الأولى، أو مستثنى من مفعول بسيحوا أو من عموم المشركين.
ثُمَّ: حرف عطف يفيد التراخي النسبي واستمرار الوفاء زمناً بعد زمن.
لَمْ يَنقُصُوكُمْ: لم حرف نفي وجزم وقلب، ينقصوكم فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، والكاف مفعول به أول، والميم للجمع.
شَيْئًا: مفعول به ثانٍ منصوب، أو مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي نقصاً قليلاً أو كثيراً).
وَلَمْ يُظَاهِرُوا: الواو عاطفة، لم حرف جزم، يظاهروا مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
عَلَيْكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ يظاهروا.
أَحَدًا: مفعول به لـ يظاهروا منصوب بالفتحة الظاهرة.
فَأَتِمُّوا: الفاء رابطة لجواب شرط مقدر أو رابطة لما في الموصول من معنى الشرط، أتموا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
إِلَيْهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ أتموا.
عَهْدَهُمْ: مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه.
إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ أتموا، ومدتهم مضاف إليه.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ: إن واسمها، وجملة يحب المتقين خبرها، والمتقين مفعول به منصوب بالياء.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على رفع وبناء كلمات الآية على هذا النظم الكريم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
العدالة والإنصاف القرآني الاستثنائي: بعد أن أعلنت الآيات الثلاث الأولى حكماً عاماً صارماً بالبراءة والسياحة ونبذ العهود، جاءت هذه الآية مباشرة لتعمل مبدأ الاستثناء والعدالة التامة، فلا يؤخذ البريء بجريرة الخائن، ولا يعامل الموفي معاملة الغادر الناكث؛ وهذا أبهى تجليات العدل الإلهي في التشريع.
التذييل بحب المتقين: ختم الآية بقوله {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} تعليل للأمر بإتمام العهد؛ ليعلم المؤمن أن الوفاء بالميثاق للمشرك الموفي ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو عبادة يتقرب بها إلى الله، وسبيل لنيل محبة الله عز وجل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض فرية نقض العهود المطلق في الإسلام:
هذه الآية الكريمة تمثل الصخرة الصماء التي تتحطم عليها كل الشبهات الاستشراقية التي تدعي أن سورة براءة نسخت كل عهد، وأمرت بقتل كل مشرك ومباغتته.
البرهان القاطع:
نص الآية صريح قطعي محكم لا يحتمل التأويل: {فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ}. فالإسلام لم ينبذ عهد من لم ينكث، بل أمر بإتمام مدته ولو كانت سنوات طوالاً.
علق الوفاء على معايير موضوعية واضحة (عدم النقص وعدم التحالف مع العدو)، وهي ذاتها المعايير المعترف بها في أحدث القوانين الدولية المعاصرة لحفظ الهدن والمعاهدات.
ربط الوفاء بالتقوى {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} يضفي على المعاهدات قداسة إيمانية تمنع المسلم من الغدر حتى في حالة القوة والتمكن المطلق.
استعمال {ثُمَّ} المفيدة للتراخي: {ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيْئًا}؛ إشارة إلى أن الوفاء لم يكن عارضاً ليوم أو يومين، بل امتد وتطاول عبر الزمن وتكررت الاختبارات فلم ينقصوا شيئاً، مما يثبت صدق استقامتهم.
العموم في سياق النفي: تنكير {شَيْئًا} و{أَحَدًا} في سياق النفي؛ لإفادة استغراق أقل القليل من النقص، وأصغر أحد من الأعداء؛ فلو أعانوا ولو رجلاً واحداً على المسلمين لسقط العهد، ولو أخلوا بأدنى شرط لزال الأمان.
تعدية الإتمام بـ {إِلَىٰ}: {إِلَىٰ مُدَّتِهِمْ}؛ دلالة على استيعاب كل المدة المضروبة وبلوغ نهايتها التامة دون بخس يوم واحد منها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
شرف الأمة في الوفاء بالمواثيق: المؤمن لا يغدر ولا ينكث، وقوته وسلطانه لا يحملانه على التملص من التزاماته؛ فالأمة التي تفي بعهودها مع أعدائها هي الأمة الجديرة بريادة البشرية وإقامة العدل.
التقوى ضابط السلوك السياسي والعسكري: السياسة في الإسلام مؤطرة بالتقوى ومحبة الله، وليست مكيافيلية ميكانيكية تبرر الغدر بالمصلحة المتوهمة.