أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس وجابر بن عبد الله وعطاء ومجاهد قالوا: لما نزلت براءة وأذن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه يوم الحج الأكبر في موسم سنة تسع للهجرة: «أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، وَلَا يَطُوفَ بِالبَيْتِ عُرْيَانٌ»، ونزلت هذه الآية الكريمة: {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَٰذَا}، حزن أهل مكة وتوجسوا خيفة من الفقر والضيق الاقتصادي، وقالوا: من أين نعيش؟ وكيف نطعم عيالنا وقد انقطعت عنا تجارات المشركين وأسواقهم ومواردهم التي كانوا يجلبونها في مواسم الحج والتجارة؟! فأنزل الله عز وجل قوله مسلياً ومطمئناً ومبشراً: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ}، فعوضهم الله بالجزية التي ضربت على أهل الكتاب، وبإسلام قبائل العرب وتدفق أموال الزكاة والغنائم والوفود حتى فاضت مكة والمدينة بالأموال والخيرات.
أقوال أئمة السلف والتفسير في معنى {نَجَسٌ} وأحكام دخول المساجد:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 210)جامع البيانالطبري١٤/٢١٠: قصر الله تعالى وصف النجس على المشركين؛ والنجس هنا هو القذر والخبث والرجس المعنوي بسبب شركهم بالله ونجاسة عقائدهم وأبدانهم التي لا تتطهر من الجنابة والخبث؛ فمنعهم الله من قربان المسجد الحرام بعد عامهم هذا (وهو العام التاسع الهجري).
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 133)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٣٣: أمر الله تعالى عباده المؤمنين الطاهرين بإخراج المشركين الأنجاس من المسجد الحرام وألا يقربوه بعد نزول هذه الآية الكريمة؛ وكان هذا الأذان في سنة تسع، ولذلك لم يحج مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع سنة عشر مشرك قط، بل كان الحجيج كلهم موحدين.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 132)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٣٢: اختلف الفقهاء في حكم دخول الكافر للمساجد:
مذهب الإمام مالك: يُمنع المشرك والكافر مطلقاً من دخول جميع المساجد؛ المسجد الحرام وسائر المساجد، تعظيماً لبيوت الله؛ وحمل الآية على عموم المساجد لأن علة النجاسة المعنوية متحققة فيهم جميعاً.
مذهب الإمام الشافعي وأحمد: يمنع الكافر من دخول الحرم المكي ومسجده خاصة بنص الآية {فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ}، ويجوز له دخول سائر المساجد بإذن المسلمين لحاجة (كسماع القرآن أو المصلحة)، بدليل ربط ثمامة بن أثال في المسجد النبوي قبل إسلامه.
مذهب الإمام أبي حنيفة: يجوز لأهل الذمة والمعاهدين دخول المسجد الحرام وسائر المساجد لحاجة، وحمل المنع في الآية على الحج والعمرة والظهور على المسلمين بالطواف عراة كما كانوا يفعلون.
قال الشنقيطي (أضواء البيان، جـ 2، ص 330)أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآنالشنقيطي٢/٣٣٠: النجاسة في الآية نجاسة معنوية عقدية قطعية، ونجاسة بدنية عارضة لعدم تطهرهم من النجاسات والجنابة؛ والمسجد الحرام طاهر مطهر يجب تنزيهه عن كل دنس.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
نَجَسٌ: النَّجَس (بفتح النون والجيم، أو بكسر الجيم نَجِس) هو القذر والدنس الحسي والمعنوي؛ وإذا وصف به بالمصدر (نَجَس) استوى فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع للدلالة على المبالغة؛ كأن ذاته صارت عيناً للنجاسة.
فَلَا يَقْرَبُوا: القرب الدنو، والنهي عن المقاربة أبلغ من النهي عن الدخول؛ فإذا نُهي عن مجرد الاقتراب من محيط الحرم والمسجد كان الدخول ممنوعاً من باب أولى.
عَيْلَةً: الفقر والحاجة وضيق الرزق، يقال عال يعيل عيلة إذا افتقر وصار ذا عيال لا يقدر على كفايتهم؛ ومنه العائل وهو الفقير، كما في قوله: {وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَىٰ}.
الإعراب التفصيلي:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا: نداء وتنبيه.
إِنَّمَا: أداة حصر وقصر كافة ومكفوفة.
الْمُشْرِكُونَ: مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
نَجَسٌ: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، ولم يجمع لأنه مصدر وقع موقع الوصف للمبالغة.
فَلَا: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر، لا ناهية جازمة تدل على التحريم القطعي (أو نافية أريد بها النهي البليغ).
يَقْرَبُوا: فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل.
الْمَسْجِدَ: مفعول به لـ يقربوا منصوب بالفتحة الظاهرة.
الْحَرَامَ: نعت لـ المسجد منصوب بالفتحة.
بَعْدَ: ظرف زمان منصوب متعلق بـ يقربوا.
عَامِهِمْ: مضاف إليه مجرور بالكسرة، وهم مضاف إليه.
هَٰذَا: ها للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني في محل جر نعت أو بدل لـ عامهم.
وَإِنْ: الواو استئنافية، إن حرف شرط جازم.
خِفْتُمْ: فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل، والميم للجمع.
عَيْلَةً: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
فَسَوْفَ: الفاء رابطة لجواب الشرط، سوف حرف استقبال وتنفيس.
يُغْنِيكُمُ: مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والكاف مفعول به أول، والميم للجمع وحركت بالضم لالتقاء الساكنين.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
مِن فَضْلِهِ: جار ومجرور متعلق بـ يغنيكم، والهاء مضاف إليه.
إِن شَاءَ: إن شرطية، شاء فعل ماض والفاعل مستتر، وجواب الشرط محذوف، والجملة اعتراضية لتقييد الوعد بالمشيئة الإلهية الحكيمة.
قرأ القراء العشرة: {نَجَسٌ} بفتح النون والجيم؛ وهو المصدر المبالغ فيه.
وقرئ في الشواذ عن الحسن وابن أبي عبلة: {نَجِسٌ} بكسر الجيم على صيغة اسم الفاعل أو الصفة المشبهة كحذر وحذر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تطهير البيت الحرام وتتويج البراءة: ختم الله هذا المقطع التشريعي والسياسي العظيم من السورة بإصدار القرار الدستوري والسيادي النهائي لجزيرة العرب ومكة المكرمة: تطهير المسجد الحرام من دنس الوثنية نهائياً؛ ليعود البيت كما بناه إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بيتاً خالصاً للتوحيد لا يدخله مشرك ولا يقربه نجس.
التوازن النفسي والاقتصادي المذهل: لم يغفل القرآن البعد الاقتصادي الواقعي للمجتمع؛ فعلم ما يتوجسه أهل مكة من الركود وقطع التجارات مع المشركين، فجاء الشفاء الإلهي الفوري في الآية ذاتها: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}؛ ليحرر القلوب من عبودية الخوف على الرزق أمام تطبيق شرع الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
يزعم بعض العلمانيين والمستشرقين أن وصف المشرك بـ {نَجَسٌ} ومنعه من مكة عنصرية وتمييز ديني وإهانة لكرامة الإنسان.
الرد والمحاكمة العقلية والسيادية المحكمة:
تحقيق ماهية النجاسة: النجاسة المذكورة هنا ليست نجاسة عرقية بيولوجية ولا لونية؛ فالإنسان في أصله مكرم: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}، وإنما هي نجاسة معنوية عقدية ناشئة عن الشرك بالله وجحد الخالق وعبادة الأصنام والأوهام، ومقترنة بنجاسة سلوكية لعدم تطهرهم من الأقذار والجنابة. فإذا تاب المشرك وأسلم طَهُر باطنه وظاهره وصار أخاً في الدين له ما للمسلمين.
مبدأ السيادة وقدسية الحرم: كل دولة أو حضارة أو دين في العالم تخصص مواضع سيادية مقدسة يحظر على غير المنتمين دخولها؛ فالمسجد الحرام هو مهبط الوحي، وقبلة مليار ونصف مسلم، وعاصمة التوحيد، وأقدس بقعة على وجه الأرض؛ وتطهيره من مظاهر الشرك والتعري والطواف بالأصنام حق سيادي وديني مطلق لحفظ قداسة البيت.
التاريخ يشهد أن المشركين كانوا يطوفون بالبيت عراة، ويصفقون ويصفرون، ويعلقون الأصنام والأرجاس حول الكعبة؛ فجاء الإسلام ليطهر هذا المكان ليكون للمصلين والقائمين والركع السجود.
المبالغة بالمصدرية في {نَجَسٌ}: الإخبار بالمصدر (نجس) دون الوصف (ناجس أو نجس)؛ للمبالغة البالغة في تمكن الخبث العقدي منهم، كأنهم صاروا مجسمين للنجاسة ما داموا مقيمين على الشرك.
النهي عن القربان {فَلَا يَقْرَبُوا}: النهي عن المقاربة سد للذريعة ومبالغة في الحظر؛ ليدل على وجوب حمايتهم من مجرد مجاورة حدود الحرم وليس فقط دخول صحن الكعبة.
التقييد بالمشيئة {إِن شَاءَ}: أدب قرآني رفيع لتربية المؤمنين على أن الرزق والغنى فضل إلهي معلق بمشيئة الله وحكمته، فلا يتكل الإنسان على الأسباب ولا يتأله على الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرزق بيد الله وحده: الرزق لا يأتي بالتنازل عن المبادئ، ولا يضيع بالاستمساك بشرع الله؛ فمن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، وخزائن الله ملأى لا تغيضها نفقة.
صيانة الهوية والمقدسات: للأمة مقدسات وثوابت لا تقبل المساومة ولا التنازل تحت وطأة الضغوط الاقتصادية أو السياسية، والعزة في الاعتصام بشرع الله.