أسباب النزول ومرويات الباب: قسيمة الآية السابقة؛ حصرت طلب الإذن في التخلف في فئة المنافقين الذين عدموا أصل الإيمان واستحوذ الشك والريب على قلوبهم. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد قالا: لما فرغ الله من وصف المؤمنين، بيّن أن الذين جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك يقولون: ائذن لنا ولا تفتنا، ونحن أهل عذر، إنما هم المنافقون الذين شكوا في دينهم ولم يرجوا ثواباً في الآخرة ولم يخافوا عقاباً، فكانت حيرتهم وشكوكهم تقودهم إلى التردد والاضطراب.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 280)جامع البيانالطبري١٤/٢٨٠: إنما يطلب منك الرخصة في القعود عن الجهاد من لا يصدق بالله رباً ولا بالبعث والحساب داراً للجزاء، وشكت قلوبهم في صحة ما جئت به ونبوّتك؛ فهم في شكهم وحيرتهم يذهبون ويجيئون لا يستقرون على قدم ولا يثبتون على قرار؛ مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 158)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٥٨: قصر تعالى الاستئذان على هؤلاء المرتابين؛ لأن من ارتاب قلبه في البعث والنشور هان عليه ترك الواجبات وسهل عليه التخلف عن نصرة الدين؛ فالحيرة والريب داء قلبي مفسد للعزائم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 190)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٩٠: الريب هو الشك والقلق؛ والتردد الحركة في حيرة بين أمرين دون ترجيح؛ وفي الآية دليل على أن الشك في أصول الدين كفر مخرج من الملة؛ لأن الإيمان تصديق جازم لا يخالطه ريب.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 339)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٩: حصر الاستئذان في فاقدي الإيمان والمرتابين؛ لأن عدم الإيمان بالآخرة يفرغ القلب من الخوف والرجاء، فيصير صاحبه حائراً لا يرجو ثواباً بالنفير فيبخل بنفسه وماله.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
ارْتَابَتْ: الافتعال من الرَّيْب، والرَّيب هو الشك المريب المقترن بالقلق واضطراب النفس وعدم الطمأنينة؛ وضده اليقين والسكينة.
يَتَرَدَّدُونَ: التردد هو الذهاب والمجيء في حيرة والتحرك بين موقفين دون ثبات؛ مأخوذ من الرد وهو الرجوع؛ كأنه يرد نفسه تارة إلى الإقدام وتارة إلى الإحجام.
الإعراب التفصيلي:
إِنَّمَا: أداة حصر كافّة ومكفوفة.
يَسْتَأْذِنُكَ: فعل مضارع مرفوع، والكاف مفعول به مقدم.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل مؤخر لـ يستأذنك.
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: جار ومجرور ومعطوف عليه متعلق بـ يؤمنون.
وَارْتَابَتْ: الواو عاطفة، ارتابت فعل ماض والتاء للتأنيث.
قُلُوبُهُمْ: فاعل مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه، والجملة معطوفة على الصلة.
فَهُمْ: الفاء عاطفة سببية تفريعية، هم ضمير منفصل مبتدأ.
فِي رَيْبِهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ يترددون، وهم مضاف إليه.
يَتَرَدَّدُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ (هم)، والجملة الاسمية معطوفة على ما قبلها.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم هذه الآية وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال القصر والتقابل البياني:
في الآية (44): {لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ}.
في الآية (45): {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ}.
هذا التقابل النظمي التام بأسلوب الحصر والقصر يغلق كل مساحات الرمادية والادعاء؛ فالمستأذن في القعود من دون عذر ضرورة قاهر هو المرتاب فاقد الإيمان حتماً.
الترتيب السببي لمرض النفاق:
عدم الإيمان بالله واليوم الآخر.
ترتب الريب والشك القلبي على فقدان الإيمان {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ}.
ترتب التردد السلوكي والحيرة والقعود على الشك القلبي {فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ}؛ فالعمل فرع عن الاعتقاد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة "كيف يحكم القرآن بنفي إيمانهم وهم يشهدون أن لا إله إلا الله ويصلون؟":
يزعم البعض أن هؤلاء المنافقين كانوا مسلمين ظاهراً فكيف نفى القرآن إيمانهم بالكلية؟
الرد والمحاكمة العقدية السنية:
الإيمان في الشريعة مركب من قول وعمل واعتقاد جازم يطرد الشك؛ أما مجرد النطق باللسان مع خلو القلب من التصديق ورسوخ الريب فيه فهو "نفاق اعتقادي أكبر" يخرج صاحبه من حقيقة الإيمان ويجعله في الدرك الأسفل من النار.
المحك العملي في ساعة العسرة كشف خبايا الصدور؛ فالذي لا يرجو ثواب الآخرة ولا يخاف وعيدها يرى الخروج لتبوك خسارة ومخاطرة مجانية، فلذلك ارتاب وتثاقل وتردد.
أسلوب القصر بـ {إِنَّمَا}: لحصر الاستئذان في هذه الفئة المريضة؛ لبيان أنه سلوك نفاقي بامتياز.
إسناد الريب إلى القلوب {وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ}: للدلالة على أن الشك تمكن من مركز التفكير والإرادة في الإنسان، وإذا فسد القلب فسدت الجوارح كلها.
التصوير الحركي في {يَتَرَدَّدُونَ}: تصوير نفسي لحالة التذبذب والحيرة والاضطراب؛ فالمرتاب لا يملك بوصلة توجهه، يخطو خطوة إلى الأمام ثم يتراجع خطوتين إلى الوراء كالشاة العائرة بين غنمين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين أساس الثبات: أعظم ما يحتاجه السالك إلى الله والمجاهد في سبيله هو اليقين الجازم؛ فإذا قوي اليقين بالآخرة هانت كل صعاب الدنيا، وإذا دخل الريب انفرط عقد الثبات.
الاستعاذة من الشك والحيرة: كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالفَقْرِ وَالشَّكِّ فِي الدِّينِ»؛ فالريب عذاب نفسي وضلال في الدنيا وخزي في الآخرة.