سبب النزول العظيم المفصل: أخرج ابن جرير الطبري (جامع البيان 14/340)، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: "قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء! -يعني رسول الله ﷺ وأصحابه القراء-، فقال له عوف بن مالك الأشجعي: كذبت، ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله ﷺ، فذهب عوف إلى رسول الله ﷺ ليخبره، فوجد القرآن قد سبقه! قال عبد الله بن عمر: فأنا رأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله ﷺ تنكبه الحجارة وهو يقول: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به الطريق! ورسول الله ﷺ لا يلتفت إليه ولا يزيده على أن يقول: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}".
تحقيق الروايات وأسماء القائلين: ذكر الإمام ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/169) والروايات المسندة أن القائل كان عبد الله بن أبيّ بن سلول أو وديعة بن ثابت أو مخشي بن حمير، وقد ثبت أن بعضهم ندم وتاب توبة صادقة بعد ذلك وهو مخشي بن حمير الذي سمى نفسه عبد الرحمن وسأل الله أن يُقتل شهيداً لا يُعلم قبره فقُتل يوم اليمامة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
أصل "الخوض" و"اللعب" لغة:
الخوض: أصله الدخول في الماء والمشي فيه، واستُعمل مجازاً شهيراً في الاندفاع بالحديث الباطل والتخليط فيه دون بصيرة ولا تثبت، كما قال تعالى: {وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ}.
اللعب: هو الفعل أو القول الذي لا يقصد به غاية صحيحة نافعة، بل مجرد اللهو وإزجاء الوقت.
التراكيب والأدوات في (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ):
"الواو": استئنافية.
"اللام": موطئة للقسم المقدر (والله لئن سألتهم).
"إنْ": حرف شرط جازم.
"سألتهم": فعل ماض مبني على السكون في محل جزم فعل الشرط، والتاء فاعل، وهم مفعول به.
"لَيَقُولُنَّ": اللام واقعة في جواب القسم المقدر، والفعل المضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين ضمير متصل في محل رفع فاعل، والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة لا محل لها من الإعراب. وحُذف جواب الشرط لدلالة جواب القسم عليه؛ إذ القاعدة النحوية المستقرة: "إذا اجتمع شرط وقسم فالجواب للمتقدم منهما".
"كُنتُمْ": فعل ماض ناقص مبني على السكون، والتاء اسمه.
"تَسْتَهْزِئُونَ": فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل، والجملة الفعلية في محل نصب خبر "كنتم".
سر تقديم المجرورات الثلاثة {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ}: لبيان غاية الشناعة وفداحة الجرم؛ إذ كيف تجرؤ ألسنتهم على جعل أقدس المقدسات ورب السماوات والأرض وآياته المنزلة ورسوله الكريم غرضاً للسخرية والمزاح وإزجاء فراغ الركب!
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحاطة الوحي بمخازيهم وتجريدهم من الأعذار: لما أخبر في الآية السابقة أن الله مخرج ما يحذرون، كشف في هذه الآية صورة واقعية ملموسة من ذلك المخرج، ففضح حديث مجالسهم السرية وأقوالهم التافهة، ونقل اعتذارهم الساقط وردعهم الردع الحاسم.
الارتباط بالسياق الجهادي لغزوة تبوك: جاء هذا الاستهزاء في طريق تبوك حين كانت المشقة شديدة والحر قائظاً والمسافة بعيدة، والمنافقون يتلمسون أي ثغرة لتثبيط الهمم وإسقاط هيبة القيادة النبوية الشريفة، فجاء الرد القرآني صارماً ليقطع دابر هذا السم الزعاف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التذرع بالمزاح ودعوى عدم قصد الكفر (قصد اللعب لا قصد الردة): يدّعي بعض المتفلتين أن المستهزئ بالدين إذا لم يقصد بقلبه الكفر وإنما قصد المزاح والدعابة وإضحاك الناس فإنه لا يكفر!
الدفع والمحاكمة العقلية والشرعية الصارمة: الآية الكريمة صريحة قطعية الدلالة في إبطال هذه الشبهة العفنة من أساسها؛ فإن هؤلاء المنافقين الذين نزل فيهم النص جاؤوا يعتذرون صراحة بأنهم لم يقصدوا حقيقة الطعن ولا اعتقدوا كذب الرسول، بل قالوا: {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} أي نمزح ونتسلى بحديث الركب، فلم يقبل الله عذرهم ولا رسوله، بل قال الله في الآية التالية مباشرة: {لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ}. قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه الفذ (الصارم المسلول على شاتم الرسول ص 517): "وهذا نص في أن الاستهزاء بالله وبآياته وبرسوله كفر، يوجب الردة بعد الإيمان، ودل على أنهم لم يكونوا يعتقدون أنهم كفروا بذلك، بل ظنوا أن ذلك لا يكون كفراً، فبيّن الله أن الاستهزاء بالله وآياته ورسوله كفر يخرج من الملة قطعا؛ لأن الإيمان مبناه على التعظيم والإجلال، والاستهزاء يناقض التعظيم بالكلية".
أسلوب الحصر بـ "إنما" في اعتذارهم: استخدامهم لـ {إِنَّمَا} في قولهم {إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ} تضاؤل نفسي واعتراف ضمني بتفاهة ما صنعوا، ومحاولة بائسة لحصر فعلهم في دائرة العبث غير المقصود، فقوبلوا بحصر إنكاري مضاد جعل استهزاءهم محصوراً في أعظم الثوابت: {أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ}.
دلالة الجمع بين الله وآياته ورسوله: الترتيب والتلازم هنا يدل على أن الاستهزاء بواحد من هذه الثلاثة استهزاء بالجميع؛ فالطعن في الرسول طعن في الوحي والآيات، والطعن في الآيات طعن في منزلها سبحانه وتعالى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم شعائر الله وحرمة المزاح بأمور الدين: الآية أصل عقدي عظيم يفرض على المسلم إجلال الله وكتابه وسنة نبيه ﷺ، ويحذر أشد التحذير من النكات أو الطرائف أو المقاطع الساخرة التي تمس الثوابت الشرعية أو الجناب النبوي أو السنن الظاهرة كالحجاب واللحية والصلاة، فإن ذلك مزلق كفري خطير يوبق دين العبد وهو لا يشعر.
مراقبة اللسان وفقه الكلمة: الكلمة في ميزان الإسلام ليست هواءً يُطلق، بل هي إما رفعة إلى أعلى عليين أو هوة في قعر الجحيم؛ "وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً".