تفسير السلف لقوله {بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ}: أخرج ابن جرير الطبري عن قتادة ومجاهد وابن زيد في تفسير هذه الآية: "أي أمرهم واحد، وتشابهت قلوبهم وأعمالهم ونياتهم في الضلال والكفر والنفاق؛ كقولك: هذا الشيء من هذا الشيء، إذا كان يشبهه ويجانسه". وقال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/170): "{الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} أي: متشابهون في صفاتهم وأفعالهم، بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}؛ فلم يقل في المنافقين 'أولياء بعض'؛ لأن النفاق قطيعة ولا ولاية حقيقية بين أهله، بل هم متفقون على الطوية الخبيثة والتشابه في الطبيعة والمسلك".
تفسير صفات المنافقين الأربع المذكورة في الآية:
{يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ}: قال ابن عباس والسدي: يأمرون بالمعاصي والكفر والشك في الدين، وتثبيط الناس عن الجهاد والإنفاق.
{وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ}: ينهون عن طاعة الله ورسوله، وينهون عن الصلاة والصدقة والجهاد.
{وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ}: قال قتادة والضحاك: يقبضون أيديهم عن النفقة في سبيل الله وأداء حقوق الأموال، شحاً وبخلاً، واستثقالاً لأوامر الشرع.
{نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}: أخرج الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "تركوا الله أن يطيعوه، فتركهم الله من رحمته وثوابه وجنته، وعاملهم معاملة الناسي". وقيل: نسوا ذكر الله وطاعته، فنسيهم الله من فضله وهدايته وتوفيقِه في الدنيا وعذّبهم في الآخرة؛ فالنسيان المنسوب إلى الله هو المجازاة على النسيان بقطع الرحمة، كما قال تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المقابلة التعبيرية الدقيقة بين {بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} و{بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}:
قال في المنافقين: {بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ} بحرف الجر "مِن" الدال على التبعيض والاتصال التناسلي أو التماثل في الجنس والصفة؛ أي هم كالشجرة الواحدة الخبيثة، كل فرع منها يماثل الآخر في الخبث، ونفى عنهم وصف "الولاية" لأن قلوبهم متنافرة وأهواءهم متشتتة كما قال تعالى: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ}.
بينما قال في المؤمنين في الآية (71): {بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ} بإثبات الولاية والنصرة والمحبة والتكافل العقدي والعملي.
كناية {وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ}:
قبض اليد كناية عربية شهيرة عن البخل والإمساك عن الإنفاق في وجوه الخير، وضدها بسط اليد كناية عن الجود والكرم، كقوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ}.
الإعراب المفصل:
"الْمُنَافِقُونَ": مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
"نَسُوا": فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل.
"اللَّهَ": لفظ الجلالة مفعول به منصوب.
"فَنَسِيَهُمْ": الفاء عاطفة تفيد السببية والترتيب والتعقيب، "نسيَ" فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله، والهاء مفعول به، والميم للجمع.
"إِنَّ": حرف توكيد ونصب.
"الْمُنَافِقِينَ": اسم "إنّ" منصوب بالياء.
"هُمُ": ضمير فصل لا محل له، أو مبتدأ.
"الْفَاسِقُونَ": خبر "إنّ" مرفوع بالواو (أو خبر "هم" والجملة خبر إنّ)، وأفاد الحصر بضمير الفصل وتعريف الطرفين، أي هم الكاملون في الفسق والخروج عن طاعة الله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز الهوية الجمعية لمعسكر النفاق: بعد أن سردت الآيات السابقة مواقف فردية ومقالات خاصة لبعض المنافقين (كاللمز في الصدقات، وقولهم هو أذن، والاستهزاء بآيات الله)، جاءت هذه الآية لترسم الإطار الكلي العام والصبغة الموحدة التي تجمع المنافقين والمنافقات على مدار التاريخ؛ فهم يشكلون شبكة سلبية معطلة للخير، داعية للشر والفساد.
التناسب مع ختام الآية بـ {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}: الفسق في أصل اللغة هو خروج الرطبة عن قشرتها، والفسق هنا هو الخروج الأكبر عن دائرة الطاعة والإيمان إلى الكفر والتمرد، مما يبيّن أن نفاقهم ليس مجرد تقصير عارض، بل هو انسلاخ تام عن أصل الدين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة النسيان إلى الله تعالى وتعارضها مع قوله: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}: يزعم بعض الطاعنين أن قوله {فَنَسِيَهُمْ} يناقض صريح قوله تعالى في سورة مريم: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}، وقوله في سورة طه: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى}!.
الدفع والمحاكمة العقلية واللغوية المحكمة: هذا الزعم جهل بأساليب لغة القرآن العظيم؛ فالنسيان في لسان العرب يطلق على معنيين:
ذهول القلب عن المعلوم بعد حفظه، وهذا هو النسيان الناشئ عن النقص والعجز والسهو، وهو منفي قطعاً عن الله تبارك وتعالى كمالاً لعلمه وإحاطته الأزلية: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا}.
الترك المتعمد للشيء إعراضاً وإهمالاً وجزاءً، كقوله تعالى: {وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا} أي نترككم في العذاب ترك المنسي. وقوله هنا: {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ} هو من باب "المشاكلة اللفظية" والجزاء من جنس العمل؛ فلما تركوا أمر الله وشرعه تركهم الله في ظلماتهم وحرمهم من توفيقه ورحمته وثوابه في الدنيا والآخرة.
أسلوب المشاكلة البديعية في {نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ}: استعارة تمثيلية ومشاكلة بلاغية في غاية الروعة، حيث عُبّر عن العقوبة بلفظ الجريمة لتقرير كمال العدل والمطابقة التامة بين الذنب والجزاء.
الحصر والتوكيد في {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}: مجيء "إنّ" المؤكدة، يتبعها ضمير الفصل "هم"، ثم تعريف الخبر بـ "أل" الدالة على استغراق الجنس، يفيد قصر الفسق الحقيقي الكامل فيهم، وكأن فسق غيرهم يتضاءل أمام غلظ وخطر فسقهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التحذير من علامات النفاق العملي: تحذر الآية المؤمنين والمؤمنات من الوقوع في خصال النفاق المشؤومة: التواصي بالمنكر، التثبيط عن المعروف، البخل بالأموال والجهود، والغفلة عن ذكر الله.
ضرورة يقظة المجتمع المسلم من إفساد المنافقين: بيان أن حرب المنافقين ضد المجتمع المسلم تركز دائماً على إشاعة الفواحش وكسر الحياء والأمر بالمنكر وإخماد جذوة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فالواجب حماية حصون الأمة الفكرية والأخلاقية.