وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
حديث كعب بن مالك الطويل الخالد في الصحيحين:
أخرج البخاري في صحيحه (كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك، رقم 4418)مصدر غير محددحديث رقم ٤٤١٨، ومسلم في صحيحه (كتاب التوبة، رقم 2769)مصدر غير محددحديث رقم ٢٧٦٩ من حديث عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه كعب بن مالك رضي الله عنه في حديث توبته الشهير، وفيه:
أن كعباً لم يكن قط أيسر ولا أقوى منه حين تخلف عن تبوك، وكان له راحلتان، فكان يغدو يريد التجهز فيرجع ولم يقضِ شيئاً ويقول: أنا قادر على ذلك متى شئت، حتى تمادى به الأمر وسار الجيش وفات الغزو.
فلما قفل النبي ﷺ إلى المدينة جلس في المسجد، فجاءه المنافقون يعتذرون ويحلفون فيقبل منهم، وجاء كعب فجلس بين يديه وقال بصدق وشجاعة: "يا رسول الله، والله لو جلستُ عند غيرك من أهل الدنيا لرأيتُ أني سأخرج من سخطه بعذر، لقد أوتيتُ جدلاً، ولكني والله لقد علمتُ لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني ليوشكن الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه إني لأرجو فيه عفو الله؛ والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك! فقال رسول الله ﷺ: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك!".
وقام معه رجلان قالا مثل مقالته: مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية.
فنهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامهم، فاجتنبهم الناس وتغيروا لهم، حتى تنكرت لهم الأرض ونفوسهم، ولبثوا على ذلك خمسين ليلة، حتى أُمروا باعتزال نسائهم فاعتزلوهن امتثالاً لأمر الله ورسوله.
قال كعب: "فلما صليتُ صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله؛ قد ضاقت عليّ نفسي وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعتُ صوت صارخ يوفى على سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر! فخررتُ ساجداً وعرفتُ أنه قد جاء فرج!".
فانطلق الناس يبشرونهم، وجاء كعب إلى رسول الله ﷺ والمسجد يموج بالفرح، وقام إليه طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحه وهنأه، فقال رسول الله ﷺ ووجهه يبرق من السرور كأنه قطعة قمر: "أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "خُلِّفُوا" والفرق الدقيق عن "تَخَلَّفُوا":
قال كعب بن مالك في الحديث نفسه: "والذي ذكر الله مما خلفنا ليس تخلفنا عن الغزو، وإنما هو تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا عن أولئك الذين حلفوا له واعتذروا فقبل منهم، وأرجأ أمرنا حتى قضى الله فيه". فخُلّفوا مأخوذ من الإرجاء والتأخير عن الحكم.
التصوير النفسي في {ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ}:
الرَّحْب: السعة؛ و"ما" في {بِمَا رَحُبَتْ} مصدرية، والباء للملابسة؛ أي ضاقت عليهم الأرض مع سعتها الشديدة وامتداد آفاقها؛ وهذا من أروع المجازات في تصوير الهم والحزن؛ فالأرض الواسعة تضيق في عين المهموم حتى كأنها سمّ الخياط لما يجده من وحشة القطيعة والخوف من سخط ربه.
وقوله: {وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ}: أبلغ في الألم؛ لأن النفس هي وعاء الروح؛ فإذا ضاقت النفس على صاحبها كره الحياة وعجزت روحه عن احتمال بدنه حزناً وأسفاً.
الإعراب المفصل:
"وَعَلَى الثَّلَاثَةِ": الواو عاطفة على قوله في الآية السابقة {عَلَى النَّبِيِّ}؛ أي: وتاب الله على الثلاثة، وشبه الجملة متعلق بفعل "تاب" المقدر (أو المذكور لاحقاً).
"الَّذِينَ": اسم موصول في محل جر نعت لـ "الثلاثة".
"خُلِّفُوا": فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
"حَتَّىٰ": حرف غاية وجر.
"إِذَا": ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
"ضَاقَتْ": فعل ماض مبني على الفتح، والتاء للتأنيث.
"عَلَيْهِمُ": متعلق بـ "ضاقت".
"الْأَرْضُ": فاعل "ضاقت" مرفوع بالضمة الظاهرة.
"بِمَا": الباء حالية وملابسة، "ما" مصدرية.
"رَحُبَتْ": ماض والتاء للتأنيث، والمصدر المؤول (مع رَحْبِها وسعتها) في محل جر بالباء متعلق بـ "ضاقت"، وجملة الشرط في محل جر بالإضافة لـ "إذا".
"وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ": معطوف على جملة ضاقت الأرض وفاعله أنفسهم.
"وَظَنُّوا": عاطف وماض مبني على الضم وفاعله، والظن هنا بمعنى اليقين والقطع الجازم.
"أَن": مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف.
"لَّا": نافية للجنس تعمل عمل إنّ.
"مَلْجَأَ": اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب.
"مِنَ اللَّهِ": متعلق بـ "ملجأ" أو بمحذوف خبر لا.
"إِلَّا": أداة حصر واستثناء.
"إِلَيْهِ": متعلق بمحذوف خبر "لا" (تقديره كائن أو موجود إلا إليه)، وجملة لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر "أنّ" المخففة، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي "ظنوا".
"ثُمَّ": حرف عطف وتراخي رتبي وجواب إذا.
"تَابَ": فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله.
"عَلَيْهِمْ": متعلق بـ "تاب".
"لِيَتُوبُوا": اللام لام العاقبة والتعليل، مضارع منصوب بأن مضمرة والواو فاعل؛ أي وفقهم للتوبة لكي يثبتوا عليها ويستمروا في الإنابة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة المشهد النفسي والروحي في السورة: هذا النص يمثل الذروة الوجدانية للقرآن الكريم في تصوير المعاناة النفسية للمؤمن الصادق حين تزل قدمه، وكيف يتحول الصدق والانكسار التام إلى مفتاح لأعظم رحمات الله؛ فبينما كان المنافقون يمرحون في المدينة بأيمانهم الزائفة، كان هؤلاء الصادقون يعيشون في أتون المحنة حتى طهرهم الله ونزلت توبتهم قرآناً يتلى في المحاريب إلى قيام الساعة.
السر العظيم في {ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا}: قاعدة عقدية وسلوكية كبرى؛ فالعبد لا يملك أن يتوب من تلقاء نفسه حتى يتوب الله عليه أولاً بالإذن، والتوفيق، وشرح الصدر، والرجوع؛ فتوبة الله سابقة لتوبة العبد وسبب لها، ثم توبة الله بالقبول والمغفرة لاحقة لها وجزاء عليها؛ فالفضل كله لله أولاً وآخراً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قسوة مقاطعة الصحابة لكعب وصاحبيه خمسين ليلة حتى اعتزال النساء: قد يستغرب البعض هذه الشدة النبوية والمجتمعية مع صحابة كرام شهدوا المشاهد ولم ينافقوا قط!
الدفع والمحاكمة التربوية والقيادية العميقة:
هذا التأديب الحازم كان أعظم مدرسة تربوية حمت الأمة من التهاون والتميع؛ فالإسلام ليس مشاعر باردة، بل هو التزام وانضباط؛ والذنب كان عظيماً وهو التخلف عن رسول الله ﷺ في ساعة العسرة ومواجهة الروم.
والمقاطعة لم تكن عن بغض أو انتقام، بل كانت جراحة نبوية حكيمة لاستخراج داء الغفلة من قلوبهم وتمحيص صدقهم؛ فلما أثبتوا صدقهم المطلق ورفضوا حتى إغراءات ملك غسان حين أرسل لكعب يدعوه للالتحاق به فحرّق كعب الرسالة في التنور، أثبتوا أن ولاءهم لله ورسوله لا يتزعزع، فجاء الفرج الإلهي وتخليد توبتهم بالقرآن؛ فكانت المحنة عين المنحة.
أسلوب الحصر العقدي المعجز في {أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ}: قاعدة التوحيد الكبرى؛ فالفرار في الدنيا يكون من المخوف منه إلى غيره، أما مع الله تبارك وتعالى فالفرار لا يكون إلا من الله إليه! قال تعالى: {فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ}.
الحصر بضمير الفصل في {هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}: إشعار بأن باب التوبة موصد أمام وسائط البشر، ومفتوح بمصراعيه عند التواب الرحيم الذي يفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فضيلة الصدق وعاقبته الحميدة: الصدق هو طوق النجاة الأعظم في الدنيا والآخرة؛ فكعب وصاحباه صدقوا فابتلوا ثم طهروا وخُلدت كرامتهم، بينما المنافقون كذبوا فسكنوا مؤقتاً ثم هلكوا في جهنم.
التضرع والانكسار عند نزول الشدائد: حين تضيق الدنيا على العبد بأزماتها وأسقامها وهمومها، فليعلم أن الحل الوحيد هو الالتجاء التام إلى الله والانطراح بين يديه بيقين {أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ}، وسيرى كيف تتبدل الوحشة أنساً والضيق فرجاً وسروراً.