أخرج ابن جرير الطبري والحاكم عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "الدنيا قليل، فليضحكوا فيها ما شاؤوا، فإذا انقطعت الدنيا وصاروا إلى الله استأنفوا بكاءً لا ينقطع أبداً في نار جهنم".
وعن الحسن البصري رحمه الله قال: "ضحكوا في الدنيا قليلاً خاسرين، وبكوا في نار جهنم طويلاً نادمين، والله إنهم ليبكون في النار حتى تنقطع الدموع، ثم يسيل صديد ودماء حتى لو أُجريت فيها السفن لجرت!".
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي رزين العقيلي: "إن أهل النار يبكون الدم حتى يحفر في وجوههم خنادق كالأنهار من شدة البكاء والحسرة".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
صيغة الأمر بلام الأمر ودلالتها على الإخبار والوعيد:
{فَلْيَضْحَكُوا... وَلْيَبْكُوا}: اللام لام الأمر الجازمة، والأمر هنا ليس للطلب الحقيقي (فالله لا يأمر بالضحك المحرم)، وإنما هو أمر بمعنى الخبر والوعيد والتهديد الصارم، كقوله تعالى: {اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ} وقوله: {فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ}؛ والمعنى: إن ضحكوا واغتبطوا بنفاقهم في هذه الحياة الدنيا الفانية قليلاً، فإن وراءهم بكاءً سرمداً طويلاً لا ينقضي في جهنم.
"قَلِيلًا": صفة لمصدر محذوف (ضحكاً قليلاً) في محل نصب مفعول مطلق، أو ظرف زمان.
"وَلْيَبْكُوا": عاطف ولام أمر ومضارع مجزوم بحذف النون وفاعله الواو.
"كَثِيرًا": مفعول مطلق منصوب بالفتحة (بكاءً كثيراً).
"جَزَاءً": مفعول لأجله منصوب بالفتحة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره (جُوزوا جزاءً).
"بِمَا": الباء حرف جر للسببية، "ما" مصدرية (أو اسم موصول).
"كَانُوا": ماض ناقص واسمه.
"يَكْسِبُونَ": مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة خبر كانوا، والمصدر المؤول (بكسبهم) في محل جر بالباء متعلق بـ "جزاءً".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التامة بين حال الدنيا وحال الآخرة: لما قال في الآية السابقة: {فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ}، ناسب أن يعقب على فرحهم الساقط ببيان قصر أمد هذا الضحك وتفاهته؛ فهو ضحك قليل عابر تعقبه حسرات وبكاء دائم لا ينقطع، ليرتد فرحهم غصة وخوفاً.
التعليل بـ {جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ}: إثبات مبدأ العدالة المطلقة؛ فهذا البكاء المستمر ليس انتقاماً عشوائياً، بل هو استحقاق عادل كسبته أيديهم بكفرهم وتخلفهم ومكرهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عدم التكافؤ بين قصر عمر الإنسان والخلود في البكاء والعذاب: قد يعترض معترض: كيف يُعاقب الإنسان ببكاء وعذاب أبدي كثير على ذنوب ارتكبها في عمر قصير قليل؟
الدفع والمحاكمة العقلية المنهجية:
الجزاء في موازين العدل ليس مربوطاً بالزمن المستغرق في ارتكاب الجريمة، بل بنوع الجريمة وخطورتها؛ فالقاتل يضغط الزناد في ثانية واحدة ويُحكم عليه بالسجن المؤبد أو الإعدام.
والمنافق كفر بالله العظيم واستكبر عن رسالته، وكانت نيته الباطنة المستقرة أنه لو خُلّد في الدنيا لما آمن قط، كما قال تعالى: {وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ}، فعوقبوا على نيتهم الدائمة المؤبدة بعذاب وبكاء مؤبد لا ينقطع؛ فالجزاء مطابق للجناية والنية.
المقابلة البديعية المزدوجة: جمعت الآية بين أربعة ألفاظ متقابلة متطابقة: (الضحك يقابله البكاء، والقلة تقابلها الكثرة)، وهذا من أبدع صور الطباق والمقابلة في بلاغة القرآن.
إطلاق "قليلاً" على الدنيا و"كثيراً" على الآخرة: تقرير حقيقة الموازنة القرآنية؛ فكل عمر الدنيا منذ خلقها الله إلى قيام الساعة قليل زائل كطرفة عين، والآخرة هي الأبدية التي لا نهاية لها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
البكاء من خشية الله في الدنيا وقاية من بكاء الآخرة: في الحديث الصحيح: "عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله"؛ فمن بكى في الدنيا خوفاً من ربه وشوقاً إليه ضحك في الآخرة وفرح بنعيم الجنان، ومن ضحك لاهياً مستهزئاً بالدين بكى في النار دماً وحسرة.
الزهد في بهارج الفرح الدنيوي المحرم: تربية النفس على التواضع والجدية والمحاسبة، وتجنب المجون والغفلة التي تلهي عن لقاء الله.