أجمع أئمة التفسير والأثر (ابن عباس، قتادة، مجاهد، الضحاك، ابن جرير الطبري، ابن كثير) على أن هؤلاء المرجئين هم الثلاثة الصادقون من الأنصار الذين تخلّفوا عن غزوة تبوك بغير عذر ولا نفاق، وصدقوا رسول الله ﷺ ولم يحلفوا كذباً كالمنافقين، وهم:
كعب بن مالك رضي الله عنه (شاعر رسول الله ﷺ ومن بني سلمة).
مرارة بن الربيع العمري رضي الله عنه (بدري جليل).
هلال بن أمية الواقفي رضي الله عنه (بدري جليل).
أرجأ رسول الله ﷺ أمرهم، وأمر المسلمين بمقاطعتهم وهجرهم وعدم تكليمهم خمسين ليلة حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا ألا ملجأ من الله إلا إليه، حتى نزل بيان توبتهم والرضا عنهم في الآية (118) من هذه السورة الكريمة: {وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا}.
معنى "مُرْجَوْنَ" في لغة التنزيل والآثار:
قال ابن عباس ومجاهد: "مرجون: مؤخرون وموقوفون لأمر الله وقضائه وحكمه؛ لا يُدرى ما يقضي الله فيهم حتى ينزل الوحي بشأنهم".
وقوله: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ}: ليس شكاً في علم الله، بل إشعار للمخاطبين بأن أمرهم موقوف على المشيئة والحكمة الإلهية، حتى لا يقطع أحد في شأنهم بجزم، ولبث الخوف والرجاء في قلوبهم حتى يتطهروا بالكامل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
القراءات المتواترة في {مُرْجَوْنَ}:
قرأ عاصم ونافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي: {مُرْجَوْنَ} بواو ساكنة بعد الجيم دون همز، من أرجيته إذا أخرته.
وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: {مُرْجَؤُونَ} بالهمزة المضمومة بعد الجيم بعدها واو الجمع، من أرجأت الأمر إذا أخرته؛ وهما لغتان فصيحتان متواتران تدلان على التأخير والوقف.
دلالة "إِمَّا" في كلام الله:
"إمّا": حرف تفصيل وتخيير أو إبهام؛ وإبهامها هنا مصروف إلى المخاطبين من البشر؛ لأن الله يعلم عاقبة أمرهم أزلاً وأنه سيتوب عليهم، ولكن أُبهم الأمر على الناس وعلى الثلاثة أنفسهم تربية لهم وتمحيصاً لصدقهم.
المذنبون الذين ربطوا أنفسهم واعترفوا فوراً فتاب الله عليهم وقبل صدقاتهم (كأبي لبابة).
المرجؤون لأمر الله الصادقون في اعترافهم، لكن أُرجئ حكمهم ليُمتحن صدقهم وثباتهم في الهجران (ككعب وصاحبيه).
التذييل باسمي الله {عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: عليم بصدق سرائرهم وما تكنه صدورهم من الندم واللجوء، حكيم في تأخير التوبة خمسين ليلة لتكون توبتهم أعظم مدرسة في التربية والصدق تترنم بها الأجيال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التردد في الإرادة الإلهية في {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ}: كيف يتردد الحكم بين العذاب والتوبة، والله يعلم كل شيء مسبقاً؟
الدفع والمحاكمة العقدية السنية الصافية:
التردد مستحيل في حق الله تعالى؛ لأن علمه محيط وإرادته نافذة؛ وإنما جاء الأسلوب القرآني على طريقة لغة العرب في تعليق الأمر لإبقاء قلوب العباد بين الخوف والرجاء، وعدم قطع أحد بالنجاة أو الهلاك تأديباً مع مشيئة الله وحكمته؛ وليدرك العباد أن المغفرة فضل ورحمة، والعقوبة عدل وحكمة، والأمر كله لله لا معقب لحكمه.
روعة الإرجاء والتأخير: التعبير بـ {مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ} يحمل شحنة وجدانية هائلة؛ فالعبد المذنب حين يُعلق أمره دون جواب فوري يعيش في أشد حالات الانكسار والتضرع والافتقار إلى الله، وهو جوهر العبودية الخالصة.
تقديم العذاب على التوبة في الذكر: {إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ}؛ لإثارة الرهبة وقطع الاتكال الكاذب، ليكون الفرح بالتوبة بعد ذلك أعظم وأبهج.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فضيلة الصدق والنجاة به: قصة كعب وصاحبيه أعظم شاهد على أن الصدق منجاة ولو ترتب عليه ابتلاء مؤقت؛ فالصدق مع الله ورسوله فتح لهم أبواب الرضوان القرآني المخلد، بينما أهلك الكذب المنافقين الحالفين.
مشروعية الهجر والتعزير للمصلحة الشرعية: مشروعية مقاطعة المخطئ الصادق وهجره تأديباً له حتى يتوب ويرتدع، إذا كانت المصلحة راجحة في إصلاحه وصيانة الجماعة.