أسباب النزول ومرويات الباب في كشف شماتة المنافقين وحسدهم: نزلت الآية الكريمة كاشفة للبنية النفسية العميقة التي تسيطر على المنافقين في تعاملهم مع أحوال النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين. أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن قتادة ومجاهد قالا: كان المنافقون بالمدينة يتربصون الدوائر برسول الله صلى الله عليه وسلم وبأصحابه في غزوة تبوك وغيرها؛ فإن أظفر الله رسوله وغنم ونصره (وهي الحسنة) شق ذلك عليهم وغّمهم وحزنوا، وإن أصابت المسلمين شدة أو مشقة أو هزيمة أو مرض (وهي المصيبة) شمتوا وفرحوا وقالوا متبجحين: قد حذرنا واحتطنا لأنفسنا وقعدنا فلم نخرج معهم!
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 297)جامع البيانالطبري١٤/٢٩٧: يخبر تعالى نبيه عن عداوة المنافقين المستحكمة في قلوبهم؛ فإن أصابك يا محمد نصر وغنيمة وفتح من الله ساءهم ذلك لفرط حسدهم وبغضهم لظهور دينك، وإن نالك ضيق أو شدة أو نكبة قالوا استكباراً وتبجحاً: قد أخذنا حذرنا واحتطنا لأنفسنا قبل هذا اليوم بالتخلف عنك، وينصرفون إلى أهلهم وهم فرحون بما نالك من الضر مسرورون بقعودهم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 163)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٦٣: هذا تصوير دقيق لحال المنافق في كل زمان؛ لا يهدأ له بال إلا إذا نكبت أمة الإسلام، ولا يحزن إلا إذا انتصرت وعز جانبها؛ وهذا علامة العداوة المطبقة التي لا يداويها إحسان.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 204)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٢٠٤: الحسنة هنا الفتح والغنيمة والظفر، والمصيبة الشدة والقتل والجراح والجهد؛ وقولهم {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا} أي حزمنا وحذرنا، ونسبوا تخلفهم إلى الحكمة والتدبير وهو عين الخذلان.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 340)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٤٠: قلوبهم ممتلئة بالغل والحقد؛ فالحسنة التي تفرح كل مؤمن تسوؤهم، والمصيبة التي تؤلم كل مسلم تفرحهم؛ فهم أعداء في ثياب إخوة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
حَسَنَةٌ: كل ما يَسُرّ الإنسان من نعمة ونصر وغنيمة وعافية وظفر.
تَسُؤْهُمْ: تسوء من السوء وهو الحزن والغم والغيظ الذي يلحق النفس برؤية ما تكره.
مُصِيبَةٌ: ما يصيب الإنسان من مكروه وشدة وابتلاء في النفس أو المال أو الأهل.
أَخَذْنَا أَمْرَنَا: أخذ الأمر في كلام العرب عبارة عن الحزم والحيطة والاحتراز والتثبت؛ أي دبرنا شأننا بالحكمة فلم نلقِ بأنفسنا إلى التهلكة في زعمهم.
الإعراب التفصيلي:
إِن: حرف شرط جازم.
تُصِبْكَ: فعل مضارع مجزوم بالسكون فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على الحسنة، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به.
فَرِحُونَ: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل يتولوا.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم هذه الآية وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح معايير النفاق في الولاء النفسي: الآية السابقة فضحت معاذيرهم في البداية {ائْذَن لِّي}، وجاءت هذه الآية لتفضح مشاعرهم في النهاية؛ فبيّنت أنهم يعيشون حالة حرب نفسية داخلية دائمة ضد المسلمين؛ ففرحهم مشروط بمصيبة المسلمين، وحزنهم مشروط بنصر المسلمين؛ وهذه هي الصفة الكاشفة لكل طابور خامس عبر التاريخ.
التبجح بنسبة الخذلان إلى الحكمة: قوله {قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِن قَبْلُ} تصوير لنفسية المتخاذل الذي يسمي الجبن "عقلانية"، ويسمي التخلف عن المبدأ "حكمة وتدبيراً"، وينظر إلى المجاهدين المضحين كأنهم متهورون حمقى!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة صحة منطق الحيطة وتجنب المخاطر العسكرية:
قد يرى بعض المحللين الماديين أن قعود المنافقين وتجنبهم مخاطر تبوك كان عين العقل والحكمة المادية لحفظ الأرواح.
الرد والمحاكمة العقلية والإيمانية الفاصلة:
هذا المنطق هو منطق "الأنانية النفعية الدنيئة" التي تهدم المجتمعات والدول؛ فلو فكر كل مواطن أو جندي بمنطق: "سأقعد في بيتي وأنجو بنفسي وليذهب الآخرون للقتال"، لسقطت الأوطان واستبيحت الأعراض وتلاشت الحرمات تحت أقدام الغزاة.
المؤمن لا يعيش لنفسه فقط، بل يعيش لرسالة ومبدأ وأمة؛ والتضحية في سبيل الله هي التي تصنع مجد الأمم وتحمي بقاءها.
ما ناله المتخلفون لم يكن حكمة بل كان خزياً وعاراً وفسقاً سطره التاريخ، بينما نال المجاهدون الشرف والسيادة في الدنيا والخلود في جنات النعيم.
المقابلة التامة والطباق: بين (الحسنة) و(المصيبة)، وبين (تسوؤهم) و(فرحون)؛ لرسم خارطة المشاعر المريضة التي تعتلج في نفوسهم تجاه المجتمع المسلم.
الحالية المؤكدة في {وَّهُمْ فَرِحُونَ}: جملة اسمية تفيد ثبوت الفرح واستقراره وتمكن الشماتة في قلوبهم، مما يقطع كل دعوى للأخوة معهم.
التنكير في {حَسَنَةٌ} و{مُصِيبَةٌ}: لإفادة العموم؛ أي أدنى حسنة تسوؤهم، وأصغر مصيبة تفرحهم لفرط حقدهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
معيار نقاء القلب: المسلم الحق هو الذي يفرح بما يفرح به المسلمون ويحزن لما يحزنهم، ومن وجد في نفسه فرحاً بمصاب أهل الإسلام أو حزناً بانتصارهم فليتفقد قلبه فإنه على شفا شعبة من شعب النفاق.
الثبات أمام الشماتة: لا يلتفت المجاهد الصادق إلى شماتة المرجفين وتبجحهم بحكمتهم المزعومة؛ فطريق الحق محفوف بالمكاره، والعاقبة للمتقين.