أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما والسدي أن هذه الآية نزلت في قبيلة خزاعة، وكانت حليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فعدت عليها بنو بكر بمساعدة قريش في الحرم وقتلوا منهم رجالاً وهم ركع وسجد؛ فاستصرخ عمرو بن سالم الخزاعي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوعده بالنصر؛ فأنزل الله هذه الآية مبشراً بشفاء صدور خزاعة والمؤمنين المستضعفين بما يحل بقريش وبني بكر من القهر والهزيمة.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 164)جامع البيانالطبري١٤/١٦٤: أمر الله المؤمنين بمناجزة المشركين وضمن لهم خمس بشائر إلهية متحققة:
نصر المؤمنين عليهم وفتح بلادهم {وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ}.
شفاء صدور المؤمنين مما لقوه من الأذى والحزن {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}.
إذهاب الغيظ والحنق من قلوبهم في الآية التالية.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 119)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١١٩: هذه بشارة عظيمة للمؤمنين وتحقيق للوعد الإلهي؛ فإن الله قادر على إهلاكهم بصاعقة أو زلزلة من عنده، ولكنه شرع الجهاد ليعذبهم بأيدي المؤمنين فيكون أغيظ للكفار وأرفع لدرجات المجاهدين وأشفى لقلوب الصالحين.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 98)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٩٨: في قوله {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} شرف عظيم للأمة المسلمة؛ حيث جعلها الله أداة لإجراء قدره وعدالته في معاقبة الظالمين والانتقام للمستضعفين.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 331)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣١: جمعت الآية بين الأمر الشرعي والوعد القدري؛ فالقتال فريضة، وثماره هي النصر والتمكين والشفاء النفسي لأهل الإيمان بعد سنوات من الاضطهاد والضيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
يُعَذِّبْهُمُ: التعذيب إنزال العذاب والألم، وعذابهم هنا هو القتل بالسيف، والأسر، وسلب الأموال، ومصادرة القوة.
بِأَيْدِيكُمْ: الأيدي جمع يد، وهي آلة المباشرة والبذل والقتال؛ وإضافتها لضمير المؤمنين تشريف لجهادهم.
وَيَشْفِ: الشفاء زوال المرض والعلة وحصول العافية والراحة والبرء، وشفاء الصدور زوال ما كان فيها من الحزن والكمد والهم والغم بسبب بغي العدو.
الإعراب التفصيلي:
قَاتِلُوهُمْ: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به، والميم للجمع.
يُعَذِّبْهُمُ: فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب (قاتلوهم)، وحرك بالضم لالتقاء الساكنين، والهاء مفعول به.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
بِأَيْدِيكُمْ: الباء للسببية أو الآلة، أيدي اسم مجرور بالكسرة المقدرة على الياء للثقل، والكاف مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بـ يعذبهم.
وَيُخْزِهِمْ: الواو عاطفة، يخزهم فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء) لأنه معطوف على جواب الطلب، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به.
وَيَنصُرْكُمْ: مضارع مجزوم بالسكون معطوف، والفاعل مستتر، والكاف مفعول به.
عَلَيْهِمْ: جار ومجرور متعلق بـ ينصركم.
وَيَشْفِ: مضارع مجزوم بحذف حرف العلة معطوف، والفاعل مستتر يعود على الله.
صُدُورَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
قَوْمٍ: مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
مُّؤْمِنِينَ: نعت لـ قوم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
توجيه القراءات:
أجمعت القراءات العشر المتواترة على جزم الأفعال الأربعة {يُعَذِّبْهُمُ}، {وَيُخْزِهِمْ}، {وَيَنصُرْكُمْ}، {وَيَشْفِ} لوقوعها في جواب الطلب والعطف عليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتابع البشائر والآثار الإيجابية: رسمت الآية مشهداً متكاملاً لآثار الجهاد: بدأت بالعقاب المادي للعدو {يُعَذِّبْهُمُ}، ثم العقاب النفسي والمعنوي {وَيُخْزِهِمْ}، ثم المكسب العسكري للمسلمين {وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ}، ثم المكسب النفسي والوجداني والروحي للمستضعفين {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}؛ وهذا الترتيب بديع في مراعاة الأبعاد المادية والمعنوية.
التناسب بين الجريمة والجزاء: قريش وبنو بكر آذوا خزاعة والمستضعفين في مكة فضاقت صدورهم بالحزن، فكان جزاء جهاد المؤمنين أن يشفي الله تلك الصدور برؤية راية الحق خفاقة وسقوط صروح الظلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التشفي والانتقام الشخصي:
قد يظن متوهم أن قوله {وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ} دعوة للتشفي الشخصي والحقد الدفين.
الرد والمحاكمة الوجدانية والشرعية:
شفاء الصدور هنا ليس تشفياً حيوانياً أو رغبة في الانتقام المجرد، بل هو "شفاء من ألم الظلم والاضطهاد والضيم"؛ فالإنسان المظلوم المقهور الذي يرى قاتل أهله ومعذب إخوانه يتبختر في الأرض فساداً تتألم نفسه، فإذا رأى يد العدالة الإلهية تنزل بالظالم برأت نفسه وزال كمده.
الآية نسبت التعذيب والنصر والشفاء إلى الله وحده: {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ}، {وَيَشْفِ صُدُورَ}؛ ليعلم المجاهد أنه مجرد أداة لإقامة عدل الله وقضائه في الأرض، وليس منتقماً لنفسه أو عصبيته.
هذا الوعد القرآني يمنح الأمل للشعوب المضطهدة والمستضعفة بأن ليل الظلم سينجلي وأن دماء الشهداء لن تضيع هدراً.
إسناد الفعل لله والآلة لأيدي المؤمنين: {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ}؛ جمع معجز بين التوكل على الله القدير وبين الأخذ بالأسباب ومباشرة العمل؛ فالأيدي أيدي المجاهدين، والفاعل الحقيقي الخالق للنصر هو الله سبحانه.
المجاز المرسل في {صُدُورَ}: الصدور محل القلوب التي هي مركز المشاعر والهموم؛ فعبر بالصدر وأراد القلب مجازاً مرسلاً علاقته المحلية، أو لأن ألم الغيظ والغم يحس به الإنسان في تجويف صدره كأنه جمر ملتهب.
التنكير في {قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}: تنكير تعظيم وتفخيم، ووصفهم بالإيمان لبيان أن سلامة صدورهم ورقتها إنما كانت بسبب إيمانهم الصادق وارتباطهم بمصاب إخوانهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التضامن الوجداني بين أفراد الأمة: المسلمون كالجسد الواحد؛ مصاب خزاعة والمستضعفين في مكة آلم المسلمين في المدينة جميعاً، وفرحهم بالنصر شفى صدورهم جميعاً.
حتمية اندحار البغي: سنة الله ماضية في أن الظالم لا بد أن يذوق وبال أمره وخزيه في الدنيا قبل الآخرة، وأن الصابرين سينالون فرج الله وبرء جراحهم.