دلالة المحادة في القرآن والسنة: المحادة هي المعاندة والمشاقة والمخاصمة، مشتقة من الحد، كأن كل واحد من الطرفين صار في حدٍّ وجانب غير الجانب الذي فيه الآخر، أو من الحديد لما فيه من الصلابة والممانعة بالقوة والسلاح.
تفسير السلف ومأثورهم:
قال ابن جرير الطبري (جامع البيان 14/336): "ألم يعلم هؤلاء المنافقون الذين يحلفون بالله كذباً ليُرضوكم ويؤذون رسول الله ﷺ أن شأن من يشاقق الله ورسوله ويبارزهما بالعداوة أن مصيره إلى عذاب جهنم خالداً فيها؟".
وذكر ابن كثير (تفسير القرآن العظيم 4/168): "أي: ألم يتحققوا ويعلموا أنه من حادّ الله ورسوله، أي: شاقّهما وخالفهما وحاربهما، وكان في حدٍّ والشرع في حدٍّ، {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا} أي: مقيماً فيها معذباً أبداً، {ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ} أي: الهوان التام والفضيحة والشقاء الأكبر".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "المحادة" لغة:
حادَّ يُحادُّ محادَّة: على وزن فاعَلَ، تدل على المفاعلة والاشتراك في الفعل، وأصلها من "الحَدّ" وهو الحاجز بين الشيئين؛ فالمحادّ جعل بينه وبين ربه ورسوله حداً فاصلاً بمخالفته ومعاداته، وسلك طريقاً مضادة لطريق الشريعة.
قضية تكرار "أنّ" وتخريجها النحوي:
وردت "أنّ" مرتين في الآية: {أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ} ثم {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ}:
الأولى: مخففة من الثقيلة، والهاء ضمير الشأن في محل نصب اسمها، وجملة الشرط وجوابه في محل رفع خبرها، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي "يعلموا".
الثانية: {فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ}: اقترنت بالفاء لتكون في صدر جملة جواب الشرط؛ وخُرّجت على وجهين عند النحاة:
مذهب البصريين وسيبويه: أنّ الثانية مؤكدة للأولى وطول الكلام بجملة الشرط سوّغ إعادة حرف التوكيد لتقوية المعنى وربطه، والتقدير: ألم يعلموا أن نار جهنم له إن حادّ الله ورسوله.
مذهب الكوفيين والزجاج: أنّ الثانية في موضع رفع مبتدأ خبره محذوف، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فالواجب أو فالجزاء أن له نار جهنم.
الإعراب التفصيلي:
"أَلَمْ": الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، "لم" حرف نفي وجزم وقلب.
"فَأَنَّ": الفاء رابطة لجواب الشرط، "أنّ" حرف مشبه بالفعل.
"لَهُ": جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر "أنّ" مقدم.
"نَارَ": اسم "أنّ" مؤخر منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
"جَهَنَّمَ": مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والتأنيث.
"خَالِدًا": حال منصوبة من الضمير في "له".
"فِيهَا": جار ومجرور متعلق بـ "خالداً".
"ذَٰلِكَ": اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد، والكاف للخطاب.
"الْخِزْيُ": خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
"الْعَظِيمُ": نعت لـ "الخزي" مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من التوبيخ إلى الوعيد القهري الحتمي: بعد أن قرر في الآية السابقة وجوب تقديم رضا الله ورسوله، بكتهم هنا باستفهام توبيخي تقريري يخلع القلوب: {أَلَمْ يَعْلَمُوا}، مبيناً أن عاقبة الاستهانة بحدود الله ورسوله ليست مجرد فوات رضا، بل هي حرب مع الجبار سبحانه تفضي حتماً إلى نار جهنم والخلود في الخزي الدائم.
وصف الخزي بـ "العظيم": لم يقتصر الجزاء على العذاب الحسي (نار جهنم)، بل أردفه بالعذاب النفسي المعنوي الماحق: {ذَٰلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ}؛ لأن المنافق كان يحرص في دنياه على التستر والجاه والسمعة الكاذبة، فكان جزاؤه الأخروي هو الهوان التام والفضيحة المطلقة على رؤوس الأشهاد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة شمول الحكم لمرتكبي الكبائر والمعاصي وتوهم تكفيرهم: توهمت الخوارج والمعتزلة من ظاهر قوله: {مَن يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا} أن كل من خالف أمر الله وارتكب معصية فقد حادّ الله ووجب له الخلود في النار!
الدفع والمحاكمة العقلية والسنية الرصينة: قرر أئمة أهل السنة والجماعة (ابن تيمية، ابن كثير، ابن القيم) أن "المحادة" في لسان الشريعة هي المعاداة العقدية والمشاقة والمحاربة للدين، ولا تكون إلا من كافر أو منافق نفاقاً أكبر؛ فالمؤمن العاصي وإن وقع في المخالفة والذنب فإنه لا يُحادّ الله ورسوله، بل في قلبه أصل الإيمان ومحبة الله ورسوله وخوف وعيده، ولهذا لما شرب عبد الله الحمار الخمر مراراً ولعنه بعض الصحابة، قال النبي ﷺ: "لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله" (أخرجه البخاري). فالخلود في النار المنصوص عليه في الآية مختص بأهل الكفر والنفاق المحادين لدين الله، ولا يتناول عصاة الموحدين الذين هم تحت مشيئة الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم.
الاستفهام التقريري التهكمي: {أَلَمْ يَعْلَمُوا} نزلهم منزلة من يجهل أوضح الواضحات والبديهيات العقلية؛ إذ كيف يدعون العقل والحكمة وهم يبارزون مالك الملك بالعصيان والمشاقة؟
التوكيد المتتابع وعنصر المفاجأة: مجيء "أنّ" المؤكدة لضمير الشأن، ثم الشرط بـ "من"، ثم اقتران الجواب بالفاء مع تكرار "أنّ"، كل ذلك ركام من أدوات التوكيد البياني لترسيخ حتمية العقوبة وسد أي مسلك من مسالك التشكيك أو الأماني الباطلة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خطورة منازعة الشريعة ومصادمة أحكامها: الآية نذير صاعق لكل من يسعى في تبديل أحكام الشريعة أو التمرد عليها أو الوقوف في الصف المعادي لأولياء الله؛ فإن عاقبة المحادة خسران مبين وخزي لا انقطاع له.
استشعار مهابة الله في القلوب: تربية النفس على التزام حدود الله والوقوف عندها، والفرار من أي شبهة أو خصلة نفاق تدفع بالعبد إلى معارضة كتاب ربه وسنة نبيه ﷺ.