أسباب النزول ومرويات الباب وخطبة حجة الوداع التاريخية: أخرج البخاري في صحيحه (رقم: 4406)مصدر غير محددحديث رقم ٤٤٠٦ ومسلم (رقم: 1679)مصدر غير محددحديث رقم ١٦٧٩ من حديث أبي بكرة نفيع بن الحارث رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع يوم النحر فقال: «إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ». ونزلت الآية لإبطال تلاعب المشركين بالنظام الزمني الفلكي للأشهر وتأسيس النظام التشريعي المستقر.
أقوال أئمة السلف والتفسير في الأشهر الحرم وظلم النفس:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 244)جامع البيانالطبري١٤/٢٤٤: إن عدد شهور السنة التي جعلها الله ميقاتاً لعباده في كتابه وقضائه الأزلي اثنا عشر شهراً قمرياً منذ خلق السماوات والأرض؛ منها أربعة أشهر محرمة مقدسة عظم الله حرمتها (ثلاثة متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد: وهو رجب). وقوله {فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ}: بالمعاصي وارتكاب المحرمات والقتال فيها؛ فإن الظلم وإن كان محرماً في كل وقت، إلا أنه في هذه الأشهر الأربعة أشد وأعظم وزراً وجرماً لعظم حرمة الزمان.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 144)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٤٤: بيّن تعالى أن السنة اثنا عشر شهراً هلالياً تتبع مسير القمر ومنازله، كما قال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}؛ وليس بالحساب الشمسي الشمسي المتغير بالكبس. وأكد حرمة الأشهر الأربعة، ثم أمر بقتال المشركين كافة في مقابلة قتالهم للمسلمين كافة.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 162)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٦٢: اختلف العلماء: هل حُرمة ابتداء القتال في الأشهر الحرم باقية أم نسخت؟
مذهب الجمهور (الأئمة الأربعة وعامة السلف): أن تحريم ابتداء القتال في الأشهر الحرم منسوخ بقوله تعالى: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً}، وبحصار النبي صلى الله عليه وسلم للطائف وغزوة تبوك في الأشهر الحرم، وأن المنسوخ هو ابتداء القتال، أما مضاعفة الذنب وتعظيم الحرمة فباقٍ إلى يوم القيامة.
مذهب عطاء وجماعة: أن تحريم ابتداء القتال باقٍ لم ينسخ، ولا يقاتل في الأشهر الحرم إلا دفعاً للعدوان ورداً للصائل.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 336)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٦: ضبط الله الزمن وحفظ حرمة الأشهر، وحذر من ظلم النفس بالشرك والذنوب؛ وأمر بوحدة الصف والنفير الجامع العام لمواجهة حشود المشركين: {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
عِدَّةَ: فِعْلَة من العدّ والإحصاء؛ وهي مقدار ما يعد ومبلغه المحصى.
فِي كِتَابِ اللَّهِ: يحتمل اللوح المحفوظ الذي سُجلت فيه مقادير الخلق، أو القرآن والشريعة المنزلة.
الدِّينُ الْقَيِّمُ: الدين الحساب والشرع، والقيم المستقيم المعتدل الذي لا عوج فيه ولا تلاعب ولا تبديل.
كَافَّةً: حال تفيد الإحاطة والاستغراق والشمول لجميع الأفراد؛ مأخوذة من الكف وهو المنع؛ لأنها تكف من دخل فيها عن الخروج منها وتمنع غيرهم من الدخول معهم.
الإعراب التفصيلي:
إِنَّ: حرف مشبه بالفعل.
عِدَّةَ: اسم إن منصوب بالفتحة الظاهرة، وهو مضاف.
الشُّهُورِ: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
عِندَ اللَّهِ: ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من عدة أو بخبر إن، والله مضاف إليه.
اثْنَا: خبر إن مرفوع بالألف لأنه ملحق بالمثنى.
عَشَرَ: جزء عددي مبني على الفتح لا محل له من الإعراب.
شَهْرًا: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة.
فِي كِتَابِ اللَّهِ: جار ومجرور نعت لـ اثنا عشر شهراً أو متعلق بمحذوف خبر ثانٍ، والله مضاف إليه.
يَوْمَ: ظرف زمان منصوب متعلق بـ كتاب أو بالفعل خلق.
خَلَقَ: فعل ماض، والفاعل مستتر تقديره هو.
السَّمَاوَاتِ: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
وَالْأَرْضَ: معطوف منصوب بالفتحة الظاهرة.
مِنْهَا: جار ومجرور خبر مقدم.
أَرْبَعَةٌ: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
حُرُمٌ: نعت لـ أربعة مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية في محل نصب حال من اثني عشر أو نعت ثانٍ.
ذَٰلِكَ: اسم إشارة مبتدأ.
الدِّينُ: بدل أو عطف بيان (أو خبر).
الْقَيِّمُ: خبر المبتدأ (أو نعت للخبر) مرفوع بالضمة الظاهرة.
فِيهِنَّ: جار ومجرور متعلق بـ تظلموا (والضمير يعود على الأشهر الأربعة الحرم أو على شهور السنة كلها).
أَنفُسَكُمْ: مفعول به منصوب، والكاف مضاف إليه.
وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً: فعل أمر وفاعل ومفعول به، وكافة حال منصوبة بالفتحة الظاهرة.
كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً: الكاف حرف جر وتشبيه، ما مصدرية، يقاتلونكم مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به، وكافة حال؛ والمصدر المؤول في محل جر بالكاف متعلق بمحذوف مفعول مطلق (أي قتالاً تام محيطاً كقتالهم الجامع العام).
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم هذه الآية وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إرساء الضوابط الكونية للتشريع: بعد أن بينت الآيات السابقة أحكام القتال والجزية ومعاملة أهل الكتاب والمشركين، أسست هذه الآية الأصل الكوني والزمني الذي تدور عليه العبادات والتشريعات الإسلامية؛ فربطت التكليف ببداية خلق الكون {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}؛ لتثبت أن الإسلام دين الفطرة المتسق مع نواميس الكون وأفلاكه.
الاستراتيجية العسكرية في قتال الكافة: قوله {وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً} ميزان استراتيجي دقيق في توازن القوى؛ فإذا اجتمع أهل الكفر والشرك على حرب الأمة الإسلامية وتكتلوا في أحلاف عسكرية مستأصلة، وجب على المسلمين نبذ الفرقة والتكتل كالبنيان المرصوص لمواجهتهم مجتمعين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
يزعم بعض الحداثيين أن اعتماد الشهور القمرية يعطل الدقة الزراعية أو الحسابية.
الرد والمحاكمة الكونية والعقلية:
الحساب القمري الهلالي هو الميقات الطبيعي الفطري المشاهد لكل البشر؛ فالأمي في الصحراء والعالم في مرصده يرى الهلال وليداً ثم بدراً ثم محاقاً فيعرف دخول الشهر وانقضاءه برؤية بصرية مجردة لا تحتاج إلى تعقيدات حسابية ولا إضافات كبيسة مصطنعة كما في التقاويم الشمسية؛ وهذا يتناسب مع رسالة الإسلام العالمية لكل شعوب الأرض.
دوران الشهور القمرية عبر فصول السنة الأربعة (الصيف والشتاء والربيع والخريف) معجزة تشريعية؛ تجعل العبادات (كالصوم والحج) تدور في كل فصول السنة، فيصوم المسلم في الصيف وفي الشتاء، ويحج في الحر وفي القر، محققاً العدالة المناخية والمساواة بين جميع سكان الأرض في مشارقها ومغاربها.
القرآن لم ينكر دوران الشمس وفصولها بل قررها: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ}، ولكنه جعل "الشهور والعبادات الدينية" تابعة للأهلة بنص محكم: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ ۖ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ}.
الربط بين التقويم وبدء الخلق {يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ}: لإبراز أن هذا النظام الزمني ليس اختراعاً قبلياً ولا عرفاً عربياً محلياً، بل هو قانون كوني أزلي سطره الله في اللوح المحفوظ يوم نشأة الوجود.
التشبيه في {كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً}: تشبيه للتماثل في الجمع والاحتشاد؛ أي كما يتحدون في حربكم وتفريق شملكم، فاتحدوا في مواجهتهم صفا واحداً؛ فالقوة في الجماعة.
التذييل بـ {أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ}: ربط النصر بالتقوى حتى في حالة الاستنفار العام؛ إشعاراً بأن التفوق العددي لا ينفع بلا تقوى، وأن معية الله لا تنال إلا بامتثال حدوده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تعظيم حرمات الزمان: الذنب في الأزمنة الفاضلة والأشهر الحرم يتضاعف قبحه ووزره؛ والواجب على المؤمن أن يراقب قلبه وجوارحه في هذه الأشهر ويكف عن كل ظلم للنفس أو ظلم للعباد.
الوحدة فرض شرعي وضرورة عسكرية: الأمة المسلمة لا تنتصر وهي متناحرة ممزقة؛ والتكليف الرباني يوجب جمع الكلمة ونبذ الصراعات الداخلية لمواجهة الأخطار الكبرى.