أسباب النزول ومرويات الباب في فضح دخائل المنافقين: نزلت الآية الكريمة بياناً لنوايا المنافقين في غزوة تبوك وعلى رأسهم عبد الله بن أبيّ بن سلول، وجدّ بن قيس، ومعتب بن قشير، وأحزابهم؛ الذين تخلفوا عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم واعتذروا بالحر وبعد الشقة وضعف المقدرة. أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب القرظي قالوا: لما استنفر النبي صلى الله عليه وسلم الناس لتبوك، تثاقل المنافقون وامتنعوا، وقال قائلهم: الجدب شديد والسفر بعيد ونحن نخشى بنات الأصفر (نساء الروم)؛ ففضح الله مقاصدهم الدنيئة في هذه الآية.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 270)جامع البيانالطبري١٤/٢٧٠: يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: لو كان ما تدعو هؤلاء المتخلفين إليه من المنافقين غنيمة حاضرة قريبة المنال، وسفراً سهلاً مقتصداً هيناً لا مشقة فيه، لسارعوا إلى الخروج معك رغبة في المغنم الدنيوي؛ ولكن لما بعدت عليهم المسافة والمشقة وشق عليهم السفر في القيظ والجهد تخلفوا وقعدوا؛ ثم سيأتون إليك يحلفون بالأيمان الكاذبة معتذرين بأنهم عاجزون عن الخروج، وهم يهلكون أنفسهم بالكذب والأيمان الفاجرة، والله يعلم كذبهم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 155)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٥٥: عاتب تعالى المنافقين وقرعهم على تخلفهم؛ مبيناً أن بواعثهم دنيوية محضة: إن كان هناك مغنم سهل قريب أسرعوا، وإن كانت مشقة وتضحية نكصوا؛ وأخبر تعالى بما سيقع منهم من الأيمان الفاجرة إخباراً بالمغيبات التي وقعت حرفياً كما أخبر القرآن.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 182)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٨٢: العَرَض (بفتح الراء) هو حطام الدنيا ومنافعها التي تعرض وتزول؛ والسفر القاصد هو السهل المعتدل القريب؛ والشُّقّة (بضم الشين) هي المسافة البعيدة التي تشق على المسافر وتجهده؛ وفي الآية دليل على أن النفاق طبع صاحبه الجري وراء المكاسب الرخيصة والهرب من التكاليف.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 338)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٨: تشريح دقيق لنفوس المنافقين؛ فهم عبيد المصالح؛ يقدمون الأيمان الكاذبة دريئة لنفاقهم، وما علموا أنهم يهلكون أنفسهم بسخط الله والنفاق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
عَرَضًا: العَرَض (بفتحتين) كل ما لا بقاء له من حطام الدنيا ومتاعها؛ وسمي عرضاً لأنه يعرض ويزول بسرعة كعرض التجارة.
قَرِيبًا: دانياً سهل المنال سريع التحصيل.
قَاصِدًا: القاصد المعتدل السهل الوسيط الذي لا إجهاد فيه ولا إعنات؛ من القصد وهو التوسط والاعتدال.
الشُّقَّةُ: المشقة والمسافة الشاسعة البعيدة التي تقطع بشق الأنفس وتعب الأبدان؛ مأخوذة من الشق وهو الجهد والمشقة.
يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ: الإهلاك الإيقاع في الهلاك والعذاب؛ ويكون باليمين الغموس الكاذبة والنفاق.
الإعراب التفصيلي:
لَوْ: حرف شرط غير جازم (حرف امتناع لامتناع).
كَانَ: فعل ماض ناقص مبني على الفتح، واسمه ضمير مستتر تقديره هو يعود على ما دعوا إليه (النفير أو الغزو).
عَرَضًا: خبر كان أول منصوب بالفتحة الظاهرة.
قَرِيبًا: نعت لـ عرضاً منصوب بالفتحة.
وَسَفَرًا: معطوف على عرضاً منصوب.
قَاصِدًا: نعت لـ سفراً منصوب بالفتحة.
لَّاتَّبَعُوكَ: اللام واقعة في جواب لو، اتبعوك فعل ماض والواو فاعل والكاف مفعول به، والجملة لا محل لها جواب شرط غير جازم.
وَلَٰكِن: الواو عاطفة أو حالية، لكن حرف استدراك ونصب مشبه بالفعل.
بَعُدَتْ: فعل ماض، والتاء للتأنيث.
عَلَيْهِمُ: جار ومجرور متعلق بـ بعدت.
الشُّقَّةُ: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، والجملة في محل رفع خبر لكن (إذا خففت لكن وأهملت فالجملة استئنافية).
اسْتَطَعْنَا: فعل ماض وفاعله نا، والجملة في محل جزم أو نصب مقول القول ليمين محذوفة تقديره: (يقولون: والله لو استطعنا).
لَخَرَجْنَا: اللام واقعة في جواب لو، خرجنا فعل وفاعل، والجملة جواب لو.
مَعَكُمْ: ظرف مكان متعلق بـ خرجنا، والكاف مضاف إليه، والميم للجمع.
يُهْلِكُونَ: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من فاعل يحلفون (أي حال كونهم مهلكين أنفسهم بأيمانهم الكاذبة).
أَنفُسَهُمْ: مفعول به منصوب، وهم مضاف إليه.
وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ: استئنافية تقريرية تكذيبية؛ مبتدأ وجملة يعلم خبره، وإن واسمها واللام المزحلقة وخبرها في محل نصب سدت مسد مفعولي يعلم.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على كسر واو {لَوِ اسْتَطَعْنَا} تخلصاً من التقاء الساكنين، ونظم الآية وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التشريح المجهري لنفسية المنافق: بعد أن أمرت الآية (41) بالنفير الجامع العام {انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا}، كشفت هذه الآية (42) النقاب عن المعسكر المقابل؛ معسكر النفاق الذي لا يستجيب لنداء التضحية؛ فبيّنت الآية المعيار الحقيقي الذي يحكم حركتهم وسكونهم: المنفعة المادية العاجلة.
الإعجاز الغيبي النبوي في القرآن: إخبار القرآن بما سيقوله المنافقون قبل أن يقولوه: {وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ}؛ فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من تبوك جاء المنافقون يحلفون بتلك الكلمات عينها؛ فكان ذلك من أعظم براهين صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم والوحي المنزل عليه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة صحة معاذير المنافقين وضعف إمكاناتهم:
قد يزعم مدافع عن المنافقين أنهم كانوا حقاً عاجزين عن قطع مسافة ألف كيلومتر إلى تبوك في القيظ، فلماذا حكم القرآن بكذبهم القطعي {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}؟
الرد والمحاكمة العقلية والواقعية:
القرآن لم يحكم بكذبهم في أصل المشقة الجسدية (فالمشقة كانت واقعة على الجميع حتى على خيرة المهاجرين والأنصار)، بل حكم بكذبهم في دعوى "عدم الاستطاعة المانعة من الخروج"؛ فقد كانوا يملكون الرواحل والأموال والصحة الكافية للخروج، ولكنهم بخلوا بها وقعدوا إيثاراً للراحة والظلال.
الحلف الكاذب بالله واستعمال الأيمان الغموس للتستر على التخاذل هو عين الهلاك والفسوق {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ}؛ فلو كانوا صادقين لخرجوا كما خرج الضعفاء والفقراء.
الدليل العملي: أنهم لو علموا أن في تبوك غنائم سهلة قريبة لركبوا الصعاب وتكلفوا المشاق ليظفروا بالمال: {لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَّاتَّبَعُوكَ}؛ فتبين أن المانع هو انعدام الإيمان لا انعدام الاستطاعة.
الوصف بـ {عَرَضًا قَرِيبًا} و{سَفَرًا قَاصِدًا}: التقابل البلاغي بين (العَرَض القريب والسفر القاصد) وبين (بُعد الشُّقّة)؛ لتصوير تدني هممهم وحصر اهتماماتهم في سفاسف الأمور وقريب المنافع.
الحالية في {يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ}: جملة حالية معبرة تكشف مفارقة عجيبة؛ فهم يظنون أنهم بحلفهم الكاذب وتخلفهم "ينجون بأنفسهم" من حر تبوك وسيوف الروم، والحقيقة أنهم يوردون أنفسهم الهلاك الأبدي في نار جهنم باليمين الفاجرة.
التوكيد باللام وإن في {إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}: ختام الآية بأعلى درجات التوكيد لإسقاط كل مصداقية للمنافقين أمام الصف المسلم وتجريدهم من أي عذر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المحك هو التكاليف الشاقة: الصادق من المنافق لا يُعرف في أوقات المغانم والرخاء والسلامة والرحلات القاصدة المريحة؛ بل يعرف عند الشدائد وبُعد الشُّقة وحين تتعارض مصلحة النفس مع أمر الله.
خطورة اليمين الكاذبة: الحلف بالله كذباً لإرضاء الناس وتبرير التقصير جريمة مهلكة للبدن والدين تورث النفاق في القلب إلى يوم يلقى العبد ربه.