وقد حرر أئمة التفسير المسند (ابن جرير الطبري في «جامع البيان»، وابن كثير في «تفسير القرآن العظيم»، والبغوي في «معالم التنزيل»):
أسباب النزول المعتمدة ومواقف المنافقين:
قصة عبد الله بن أبيّ بن سلول: قال في بعض غزواته (في غزوة تبوك أو بني المصطلق): "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، وقال: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا"، فلما بلّغ زيد بن أرقم رسول الله ﷺ، حلف ابن أبيّ بالله ما قال، فأنزل الله تصديق زيد وتكذيب المنافقين.
قصة الجلاس بن سويد بن صامت: حين قال: "إن كان ما يقول محمد حقاً فنحن شر من الحمير"، فلما نقله عمير بن سعد حلف الجلاس كذباً بالله ما قاله، فأنزل الله الآية، فتاب الجلاس توبة صادقة بعد نزولها وقال: "لقد قال الله: {فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ}، وإني أتوب إلى الله وأقر بما قلت".
قصة التآمر على اغتيال النبي ﷺ في عقبة تبوك في قوله: {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا}: أخرج أحمد ومسلم والبيهقي في الدلائل عن حذيفة بن اليمان وأبي الطفيل عامر بن واثلة، أن اثني عشر أو خمسة عشر رجلاً من المنافقين تلثموا وكمنوا لرسول الله ﷺ في عقبة تبوك ليدفعوه عن راحلته إلى الوادي فيقتلوه غيلة، فأُعلم النبي ﷺ بوحي الله، فأمر عماراً أن يأخذ بزمام الناقة وحذيفة يسوقها، وزجرهم النبي ﷺ وصاح بهم حذيفة ففروا هاربين في ظلمات الليل؛ فهذا هو همهم الخبيث الذي لم ينالوه بحفظ الله وعصمته لرسوله.
قال ابن عباس وقتادة: كانت الأنصار في جاهليتها في فقر وضيق شديدين، وحروب طاحنة تأكل أموالهم، فلما جاءهم الله برسوله ﷺ أغناهم الله به، وأفاض عليهم الغنائم، وحقن دماءهم، وكان للجلاس بن سويد مولى قُتل في الجاهلية فوداه النبي ﷺ باثني عشر ألف درهم فاستغنى بها؛ فبدل أن يقابلوا هذه النعمة بالشكر والولاء، قابلوها بالطعن والكفر والهمّ بقتل الرسول!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "النَّقْم" و"تأكيد المدح بما يشبه الذم":
نَقَمَ يَنْقِمُ (أو يَنْقَمُ): عاب وكره وأنكر أشد الإنكار؛ وأسلوب الاستثناء المفرغ هنا: {وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ} هو من أرفع أساليب البلاغة ويسمى في علم البديع "تأكيد المدح بما يشبه الذم"، كقول النابغة: "ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب". والمعنى: ما وجدوا عند النبي ﷺ عيباً ولا جرماً قط، وإنما عابوا عليه أنه كان سبباً في غناهم وعزهم وبركتهم، وهو غاية اللؤم وخسة الطبع.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الهيمنة الربانية على خفايا التآمر: لم يقتصر النص على تكذيب أيمانهم، بل استعرض طبقات جريمتهم تصاعدياً: القول الكفري الخفي، ثم الردة العقدية بعد إظهار الإسلام، ثم التخطيط الإرهابي الخبيث لاغتيال قائد الأمة ﷺ، ليُظهر للمؤمنين أن عصمة النبي ﷺ محروسة بعين الله التي لا تنام.
فتح باب التوبة بعد أبشع الجرائم: بعد أن وثّق محاولتهم لقتل النبي ﷺ، لم يقنطهم من رحمة الله، بل قال: {فَإِن يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَّهُمْ}؛ في تجلٍّ باهر لسعة الفضل الإلهي الذي يدعو الجناة إلى الإنابة والنجاة قبل فوات الأوان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الإغناء إلى الرسول مع الله تعالى في {أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}: كيف يجمع بين الله ورسوله في الإغناء والإعطاء، أليس الغنى من الله وحده؟
الدفع والمحاكمة العقلية والشرعية:
الإغناء المنسوب إلى الله تبارك وتعالى هو إغناء الخلق والرزق والتقدير والتفضل والملك الحقيقي؛ فالخزائن كلها بيده وحده لا شريك له.
أما الإغناء المنسوب إلى رسول الله ﷺ فهو إغناء التسبب والتبليغ والقسمة الشرعية؛ فالنبي ﷺ هو الذي قسّم الغنائم وأعطاهم من فيء الله بإذن الله، كما صح في البخاري: "إنما أنا قاسم والله يعطي". فعطف الرسول هنا هو عطف للسبب الظاهر الشرعي على المسبب الحقيقي الخالق سبحانه، ولا محذور فيه شرعاً ولا عقلاً.
الجملة التوكيدية المقسم عليها {وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ}: اللام وقد وتحقيق القول يدحض أيمانهم الفاجرة ويكشف خيانتهم العقدية والوطنية.
الإيجاز بالحذف في {وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا}: حذف المفعول المفصل لتهويل الأمر وستر تفاصيل المؤامرة الشنيعة مع إثبات خيبتهم وفشلهم الذريع؛ فكل ما دبروه ضد النبي والدعوة تبدد وصار هباءً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لؤم كفران النعم وأثره في الانتكاس: كفران الجميل وخسة النفس داء يورث النفاق والردة؛ فالكريم إذا أكرمته شكر وأخلص، واللئيم إذا أحسنت إليه تمرد ومكر.
ترسيخ مبدأ قبول التوبة من كل مذنب: تعلّم الدعاة أن لا ييأسوا من أحد، وأن يعرضوا التوبة والإنابة على ألد الأعداء والمجرمين؛ فالتوبة تجب ما قبلها وتهدم جبال الخطايا.