أسباب النزول ومرويات الباب في بيان شأن المؤمنين الصادقين: لما عاتب الله نبيه صلى الله عليه وسلم في الآية السابقة على الإذن لمن استأذن من المنافقين: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}، أصل في هذه الآية الكريمة قاعدة نفسية وسلوكية قطعية تميز المؤمن الصادق من المنافق المريض؛ فبين أن أهل الإيمان الحقيقي بالله واليوم الآخر لا يخطر ببالهم أصلاً أن يستأذنوا في التخلف والقعود عن الجهاد في سبيل الله؛ بل شأنهم المبادرة والمسارعة إلى بذل الأموال والأنفس. أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد وابن زيد قالوا: كان المؤمنون إذا نزل النفير بادروا وتسابقوا ولم يستأذن أحد منهم في القعود إلا من كان به عذر قاهر يمنعه، وإنما كان يستأذن المنافقون طلباً للرخصة للتملص من لقاء العدو.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 278)جامع البيانالطبري١٤/٢٧٨: لا يطلب منك الإذن في التخلف والقعود عن جهاد أعداء الله بأموالهم وأنفسهم قوم يصدقون بوحدانية الله والبعث والجزاء في الدار الآخرة؛ لأن إيمانهم بالثواب ورجاء ما عند الله يبعثهم على المسارعة، فلا يرضون بالدنية ولا بالقعود؛ وإنما يستأذنك المنافقون المرتابون.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 157)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٥٧: يخبر تعالى أن المؤمنين بالله ورسوله لا يستأذنون الرسول في القعود عن الغزو ومجاهدة الأعداء؛ لأنهم يعلمون أن الجهاد تجارة رابحة وطاعة جليلة وقربة إلى الله، فكيف يستأذن العاقل في حرمان نفسه من الفوز برضوان الله والجنة؟!
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 188)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٨٨: في الآية دليل على أن طلب الرخصة في ترك الواجبات الشرعية من غير عذر ضرورة علامة على ضعف اليقين أو النفاق؛ وختم الآية بقوله {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} ثناء على أولئك المؤمنين الذين اتقوا محارم الله وبادروا لطاعته.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 338)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٨: جعل الله علامة الإيمان الصادق الرغبة التامة في الجهاد وبذل النفس والمال، ونفى الاستئذان عنهم؛ لأن المحب الصادق لا يطلب إذناً في مفارقة محبوبه ولا في التخلف عن نصرته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
لَا يَسْتَأْذِنُكَ: الاستئذان طلب الإذن والرخصة، واستعمل هنا في طلب التخلف عن الجهاد (على تضمين يستأذنك معنى يستأذنونك في القعود، أو أن المعنى لا يستأذنونك كراهة أن يجاهدوا).
الْمُتَّقِينَ: جمع متقٍ، من الاتقاء وهو اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
الإعراب التفصيلي:
لَا: نافية لا عمل لها تفيد نفي الفعل واستمراره.
يَسْتَأْذِنُكَ: فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة، والكاف ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل مؤخر للفعل يستأذنك.
يُؤْمِنُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ: جار ومجرور ومعطوف عليه متعلق بـ يؤمنون.
أَن يُجَاهِدُوا: أن حرف مصدري ونصب، يجاهدوا مضارع منصوب بحذف النون والواو فاعل؛ والمصدر المؤول (أن يجاهدوا) في محل نصب مفعول به ثانٍ بحذف حرف الجر على نزع الخافض والتقدير: (في أن يجاهدوا، أو كراهة أن يجاهدوا، أو لا يستأذنونك في ترك أن يجاهدوا).
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم هذه الآية وإعرابها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التأسيسية بين الصادقين والمنافقين: وضعت هذه الآية (44) والآية التالية (45) ميزاناً نفسياً وسلوكياً فارقاً لا يخطئ:
الصادق: {لَا يَسْتَأْذِنُكَ} لأنه حريص على الأجر مشتاق للبذل.
المنافق: {إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ} لأنه يبحث عن أدنى حيلة للفرار من التكاليف.
سر التعبير بنفي الاستئذان عن الجهاد: قوله {لَا يَسْتَأْذِنُكَ... أَن يُجَاهِدُوا}؛ فيه حذف لطيف تقديره: في القعود كراهة أن يجاهدوا؛ أو لا يستأذنونك في الجهاد كأنهم ينتظرون إذناً بل يبادرون مسارعين لأن الواجب معلوم مفروض لا يحتاج إلى تردد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين نفي الاستئذان وبين مشروعية استئذان القائد:
قد يسأل سائل: أليس استئذان الإمام أدباً مشروعاً في الشريعة، كما قال تعالى في سورة النور: {وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ}؟ فكيف يذم الاستئذان هنا؟
الرد والمحاكمة الفقهية الدقيقة:
الاستئذان المذكور في سورة النور هو استئذان لحاجة عارضة وضرورة طارئة في مجلس النبي ومقره ثم يعود المستأذن سريعاً؛ وهذا من كمال الأدب والنظام.
أما الاستئذان المنفي والمذموم في سورة براءة فهو استئذان للتملص من النفير العام والقعود الكلي عن الجهاد المفروض دون عذر قاهر؛ فالمؤمن الصادق لا يطلب إذناً بالقعود عن نصرة دينه أصلاً، وإنما يطلبه المنافق ليتستر به على خوره وجبنه.
التعبير بالنفي المطلق {لَا يَسْتَأْذِنُكَ}: نفي أصل الاستئذان بصيغة الخبر؛ وهو أبلغ من النهي؛ لأنه يقرر كقاعدة بديهية أن من وقر الإيمان في قلبه استحال عليه عقلاً ووجدانياً أن يطلب الرخصة في التخلف عن ركب المجاهدين.
التذييل بـ {عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ}: إشعار بأن التقوى محلها القلب، والله يعلم البواعث الخفية؛ فيعلم من منعه العذر الحقيقي وهو مشتاق للنفير، ممن قعد رغبة في الدنيا وتعلل بالأعذار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المبادرة سمة الصادقين: الداعية الحق لا ينتظر من يدفعه للطاعة، ولا يبحث عن الأعذار والرخص ليتملص من نصرة الحق، بل يسارع بنفسه وماله طلباً لرضوان الله.
فضح التململ من التكاليف: التثاقل والتململ والبحث عن فتاوى التسهيل والرخص عند كل تكليف شاق علامة إنذار خطيرة تدل على ضعف شجرة الإيمان في القلب.