أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن الزهري ومجاهد وقتادة أن هذه الأشهر الأربعة هي مهلة الأمان التي جعلها الله للمشركين يسيحون فيها آمنين حيث شاؤوا في جزيرة العرب، أولها يوم النحر (العاشر من ذي الحجة) وآخرها العاشر من شهر ربيع الآخر. وقيل: هي شوال وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، والتحقيق الذي عليه أئمة المحققين (ابن كثير والقرطبي والطبري) أن ابتداءها كان من يوم إعلان الأذان في الحج الأكبر في العاشر من ذي الحجة سنة تسع للهجرة، فانتهت بعشرين من ربيع الآخر.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 115)جامع البيانالطبري١٤/١١٥: سِيروا في الأرض مقبلين ومدبرين آمنين من أن يقتلكم المؤمنون أو يسبوكم أربعة أشهر، تختارون فيها لأنفسكم: إما الدخول في الإسلام والتوبة، وإما النجاة بأنفسكم والخروج من بلاد الإسلام، فإذا انقضت فالقتل والمناجزة.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 105)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٠٥: هذا تأجيل من الله للمشركين الذين عاهدهم رسول الله عهداً مطلقاً غير موقت، أو نقضوا عهودهم؛ فأمهلهم أربعة أشهر تسييراً لهم وتثبيتاً للحجة عليهم، لئلا يقولوا أُخذنا على غرة.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 69)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٦٩: السياحة السير في الأرض على مهل وأمان، وأصل السياحة في الماء الجاري السائح؛ فضرب لهم هذا الأجل ليتدبروا عواقب أمرهم ويزول عنهم شبه العناد.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 328)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٢٨: أباح الله لهم السير الآمن أربعة أشهر ليرتادوا لأنفسهم الخير، مع إعلامهم القاطع بأنهم لن يعجزوا الله ولن يفوتوه هرباً، وأن الخزي الأخروي والدنيوي لاحق بهم إن استمروا على كفرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
فَسِيحُوا: الفاء فصيحة، وسيحوا فعل أمر من ساح يسيح سياحة، وأصله الجريان والانبساط في الأرض بسهولة ويسر كما يسيح الماء المنبسط، والمراد هنا الذهاب والمجيء في أمن ودعة بلا خوف.
مُعْجِزِي اللَّهِ: الإعجاز الفوت والسبق والهرب بحيث لا يقدر الطالب على إدراك المطلوب، يقال: أعجزه الشيء إذا فاته وغلب عليه.
مُخْزِي: الخزي الذل والهوان والفضيحة والعقوبة الفادحة التي تلحق الإنسان فتفضحه وتهينه في الدنيا والآخرة.
الإعراب التفصيلي:
فَسِيحُوا: الفاء عاطفة أو فصيحة واقعة في جواب شرط مقدر، سيحوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
فِي الْأَرْضِ: جار ومجرور متعلق بـ سيحوا.
أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ: أربعة ظرف زمان منصوب بالفتحة الظاهرة متعلق بـ سيحوا، أشهر مضاف إليه مجرور بالكسرة.
وَاعْلَمُوا: الواو عاطفة، اعلموا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
أَنَّكُمْ: أن حرف مشبه بالفعل، والكاف ضمير متصل اسمها، والميم للجمع.
غَيْرُ: خبر أن مرفوع بالضمة الظاهرة، وأن وما دخلت عليه سدت مسد مفعولي اعلموا.
مُعْجِزِي اللَّهِ: معجزي مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم وحذفت النون للإضافة، ولفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ: معطوف على ما قبله، أن واسمها وخبرها المرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والكافرين مضاف إليه مجرور بالياء.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات المتواترة على رفع {غَيْرُ} و{مُخْزِي} على الخبرية، وخفض لفظ الجلالة و{الْكَافِرِينَ} على الإضافة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التعقيب بالأمر بالسياحة بعد البراءة: لما أعلن الله البراءة في الآية الأولى، خشي المشركون من البطش الفوري بهم، فعقّب مباشرة بالأمر بالسياحة {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ} لتقرير مهلة الأمان المشروطة، ليجمع النص بين هيبة البراءة وعدالة الإمهال.
اقتران الإمهال بالتحذير من الغرور: اقترن إعطاء المهلة ببيان القدرة الإلهية {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ}؛ لئلا يظن المشركون أن المهلة ناتجة عن ضعف المسلمين أو عجزهم، بل هي إمهال حكيم من قادر قاهر لا يعجزه أحد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين الأمان والتهديد:
كيف يؤمنهم القرآن أربعة أشهر ثم يقول لهم في نفس الآية {وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ}؟
الرد والتحقيق المحكم:
الأمان الممنوح في الأشهر الأربعة أمان حقيقي واقعي على دمائهم وأموالهم وتحركاتهم داخل الجزيرة، وقد احترمه المسلمون تماماً فلم يمس أحد من المشركين بسوء طيلة هذه المدة.
التهديد بعدم الإعجاز والخزي ليس نقضاً للأمان الحالي، بل هو تحذير للمستقبل بعد انقضاء المهلة إن أصروا على الشرك والحرب، وتنبيه لهم بأن هذا الأمان منحة وفرصة للتوبة وإصلاح العقيدة لا فرصة للغرور والتمرد؛ فالعاقل يستغل المهلة في النجاة، والمكابر المغرور يحيق به الخزي بعد استنفاد الحجة.
الاستعارة في قوله {فَسِيحُوا}: إطلاق السياحة المستعارة من جريان الماء الرقراق المنبسط، يدل على نهاية الطمأنينة وحرية الحركة في السفر والتجارة والتدبير، دون أن يتعرض لهم معترض في ديار العرب.
صيغة اسم الفاعل {مُعْجِزِي} و{مُخْزِي}: التعبير باسم الفاعل يفيد الثبوت والتحقق الدائم؛ أي أن نفاذ قدرة الله فيهم وخزي الكافرين حقيقة كونية ثابتة لا تتخلف في أي زمان أو مكان.
المقابلة النفسية: بين اتساع الأرض بالسياحة أربعة أشهر، وبين ضيق الحيلة والعجز أمام قدرة الله وخزيه؛ لكسر كبرياء الطغاة وإشعارهم بحقيقة ضعفهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة الإمهال في الدعوة والسياسة: لا ينبغي للقائد أن يستعجل الحسم قبل إقامة الحجة وإعطاء الخصم المهلة الكافية للمراجعة والتراجع؛ فالحجة إذا قامت مع الإمهال سقطت كل المعاذير.
اليقين بالهيمنة الإلهية: مهما امتلك الباطل من مهل وأسباب للتحرك، فإن الله محيط به، وخزي الكفر مكتوب في سنن الله، والمؤمن لا يضيق صدره بإمهال الظالمين لأنه يعلم حتمية العاقبة.