كما تقدم في حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه في صحيح البخاري، فإن هذه الآية هي آخر ما وُجد مكتوباً من آيات القرآن العظيم عند جمع المصحف مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ذي الشهادتين رضي الله عنه.
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم والترمذي عن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: "آخر آية نزلت من القرآن قوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ...} إلى قوله: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}".
تفسير السلف لملاذ التوكل عند إعراض المعرضين:
قال قتادة ومجاهد وابن كثير: "{فَإِن تَوَلَّوْا} أي: فإن أدبر هؤلاء الكفار والمنافقون عما جئتهم به من الحق، وأعرضوا عن شريعتك ونصيحتك وحرصك عليهم؛ فلا تبتئس ولا تحزن ولا تعبأ بهم، {فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ} أي: كافيني الله وناصري ومؤيدي ومعيني، {لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ} لا معبود بحق سواه، {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ} فوضتُ أمري إليه واعتمدتُ عليه في كل شأني، {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} مالك أعظم المخلوقات وأعلاها الذي استوى عليه استواءً يليق بجلاله، فمن كان ربه رب العرش العظيم فلا يخشى أحداً من خلقه".
فضل هذا الذكر العظيم في السنة النبوية:
أخرج أبو داود في سننه (كتاب الأدب، باب ما يقول إذا أصبح، رقم 5081)مصدر غير محددحديث رقم ٥٠٨١ عن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: "من قال إذا أصبح وإذا أمسى: حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات، كفاه الله ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة، صادقاً كان بها أو كاذباً".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "الحَسْب" لغة:
الحَسْب: الكافي؛ مأخوذ من أحسبني الشيء إذا كفاني حتى قلت: حسبي، أي كفايتي من كل هم وغم ونصرة.
دلالة "العرش العظيم" لغة وعقدياً:
العرش في لغة العرب: سرير الملك ذو القوائم؛ والعرش في عقيدة أهل السنة والجماعة هو سقف المخلوقات كلها، وأعظمها جرماً ومساحة ونوراً؛ خلقه الله واستوى عليه استواءً حقيقياً يليق بجلاله؛ ووصفه هنا بـ "العظيم" لدلالة عظمة المخلوق على عظمة الخالق ومطلق سلطانه.
الإعراب المفصل:
"فَإِن": الفاء استئنافية، "إن" حرف شرط جازم.
"تَوَلَّوْا": فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والواو ضمير متصل فاعل في محل جزم فعل الشرط.
"فَقُل": الفاء رابطة لجواب الشرط، "قل" فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
"حَسْبِيَ": مبتدأ مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة، والياء ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
"اللَّهُ": لفظ الجلالة خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره، والجملة الاسمية مقول القول في محل نصب.
"لَا": نافية للجنس تعمل عمل إنّ.
"إِلَٰهَ": اسم "لا" مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره (حقٌ).
"إِلَّا": أداة حصر واستثناء.
"هُوَ": بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف (أو بدل من موضع لا واسمها) في محل رفع.
"عَلَيْهِ": جار ومجرور متعلق بـ "توكلت" مقدم لإفادة القصر والحصر.
"تَوَكَّلْتُ": فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل.
"وَهُوَ": الواو عاطفة، "هو" مبتدأ في محل رفع.
"رَبُّ": خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة، وهو مضاف.
"الْعَرْشِ": مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة.
"الْعَظِيمِ": نعت لـ "العرش" مجرور بالكسرة (وقُرئ في الشواذ بالرفع نعت لـ "رب").
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مسك الختام والاعتصام برب الأرباب: أروع خاتمة لسورة براءة؛ فبعد أن جاهد النبي ﷺ وقاتل وأسس وبنى وواجه كيد المنافقين والمشركين وأهل الكتاب، تخلصه الآية من كل تعلق بالبشر والأسباب وتفرده بالله وحده؛ فكأنه قيل له: إن استجابوا فبها ونعمت، وإن تولوا وأعرضوا فتوكل على الله وحده؛ فهو كافيك وناصرك ورب العرش العظيم الذي بيده ملكوت كل شيء.
استحضار عظمة القدرة والربوبية: {وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تفرد خزيمة بن ثابت برواية آخر سورة التوبة ودعوى عدم تواترها: يثير بعض المستشرقين والطاعنين شبهة أن الآيتين الأخيرتين من التوبة تفرد بهما خزيمة بن ثابت وحده، مما يقدح في تواتر القرآن وجمعه!
الدفع والمحاكمة التاريخية والحديثية الساحقة:
هذه الشبهة تنم عن جهل مطبق بمنهج جمع القرآن؛ فالصحابة رضي الله عنهم كانوا جميعاً يحفظون هاتين الآيتين عن ظهر قلب في صدورهم، وكان زيد بن ثابت نفسه يحفظهما ويقرأ بهما ويعلم موضعهما في ختام التوبة.
ولكن أبا بكر وعمر وزيداً وضعوا شرطاً توثيقياً إضافياً صارماً ودقيقاً لم يسبق له مثيل في تاريخ التدوين البشري؛ وهو ألا يكتبوا آية في المصحف الإمام إلا إذا وُجدت مكتوبة بين يدي رسول الله ﷺ في صحيفة خاصة شهد عليها شاهدان.
وكانت سائر الآيات موجودة في رقاع متعددة عند عشرات الصحابة، أما هاتان الآيتان فكانت نسختهما المكتوبة زمن التنزيل محفوظة في رقعة عند خزيمة بن ثابت الأنصاري، وكان رسول الله ﷺ قد جعل شهادة خزيمة بشهادتين في قصة الفرس المشهورة تكريماً لصدقه وفطنته؛ فاجتمع للآيتين: الحفظ المتواتر القطعي في صدور مئات الصحابة، مع الوثيقة الخطية المكتوبة زمن الوحي؛ فثبتت الآيتان في أعلى درجات التواتر والقطعية والإجماع التاريخي الذي لا يرقى إليه أدنى شك.
تقديم المعمول في {عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ}: يفيد القصر والحصر؛ أي عليه وحده أتوكل ولا أتوكل على أحد سواه؛ لأن التوكل على غير الله عجز وشرك.
الوصف بـ {الْعَظِيمِ}: العظمة المطلقة التي تستغرق كل عوالم الغيب والشهادة؛ لتهون أمام عظمة العرش وجلال خالقه كل قوى الأرض وجيوش الكفر والنفاق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلاح التوكل والكفاية في مواجهة الشدائد: هذا الذكر القرآني العظيم حصن حصين وبلسم لكل مؤمن يتعرض للإعراض، أو الخذلان، أو المؤامرات؛ فمن قال بقلب صادق موقن {حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ} كفاه الله همومه، وتولى نصره، ودفع عنه مكر الماكرين.
التجرد والاستعلاء الإيماني: الواجب على الداعية والمصلح أن يمضي في دعوته وبيانه للحق مستعلياً بإيمانه، غير مبالٍ بإعراض المعرضين ولا خذلان الناكصين؛ فالله هو الغاية والملجأ والمولى ونعم النصير.