أسباب النزول ومرويات الباب في بيان العلل الكاشفة لحبوط الأعمال: نزلت الآية الكريمة تفصيلاً وتعليلاً للآية السابقة؛ لتبين بدقة تشريحية ربانية الأسباب الأربعة الجوهرية التي حالت بين المنافقين وبين قبول نفقاتهم. أخرج ابن أبي حاتم وابن جرير عن ابن عباس وقتادة والضحاك قالوا: بيّن الله لنبيه والمؤمنين أن الله لا يظلم هؤلاء المنافقين حين رد عليهم نفقاتهم، بل ردها لأربعة موانع شرعية وسلوكية مستحكمة: الكفر الباطن بالله ورسوله، وأداء الصلاة بكسل وتثاقل ونفاق، والإنفاق على كره ورياء دون رغبة في ثواب الله.
أقوال أئمة السلف والتفسير في صفات المنافقين في الصلاة والإنفاق:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 309)جامع البيانالطبري١٤/٣٠٩: ما حال بين هؤلاء المنافقين وبين قبول نفقاتهم عند الله فيثيبهم عليها إلا أربعة أمور:
كفرهم بالله ورسوله في سرائرهم وجحدهم لنبوته.
أنهم لا يأتون الصلاة المفروضة مع جماعة المسلمين إلا وهم كسالى متثاقلون، لا يرجون لها ثواباً ولا يخافون على تركها عقاباً، وإنما يصلون مراءاة ودفعاً لصفة الكفر عن أنفسهم.
أنهم لا ينفقون أموالهم إلا وهم كارهون للإنفاق، يرون النفقة مغرماً وخسارة ولا يبتغون بها وجه الله؛ فكيف يقبل الله عملاً صدر عن كفر ونفاق ورياء وكراهية؟!
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 167)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٦٧: هذا ميزان القبول الإلهي؛ فإن العمل الصالح إنما يتقبله الله إذا كان خالصاً لوجهه موافقاً لشرعه؛ وهؤلاء قد انتفى من قلوبهم الإخلاص بالكفر، وانتفى من صلاتهم الخشوع بالكسل، وانتفى من نفقاتهم الرضا بالكراهية؛ فلم يبقَ في أعمالهم إلا المظاهر الخاوية.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 212)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٢١٢: استدل بالآية على أن الصلاة والصيام والصدقة لا تقبل من مشرك ولا منافق نفاقاً أكبر؛ وأن التكاسل في الصلاة وتأخيرها عن وقتها من صفات النفاق التي حذر منها القرآن في سورة النساء: {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ}.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 341)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٤١: لا يستقر الإيمان في قلب عبد حتى يحب الصلاة وينشط لها، ويحب الإنفاق ويفرح به؛ فإذا رأيت المرء متثاقلاً عن الصلاة، شحيحاً كارهاً للإنفاق، فاعلم أن في قلبه شعبة نفاق خطيرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
نَفَقَاتُهُمْ: النفقات جمع نفقة، وهي ما يخرجه الإنسان من ماله ويبذله في معايشه أو في وجوه الخير؛ مأخوذة من النَّفَق وهو المخرج والنفاذ.
كُسَالَىٰ: جمع كَسْلان، من الكَسَل وهو التثاقل عن الشيء والتراخي فيه مع القدرة عليه لعدم انبعاث الرغبة الباطنة فيه.
كَارِهُونَ: الكراهة نقيض الرضا والمحبة؛ والإنفاق بكره هو بذل المال خوفاً من ملامة الناس أو خشية العقوبة دون احتساب للأجر.
الإعراب التفصيلي:
وَمَا: الواو استئنافية، ما نافية لا عمل لها.
مَنَعَهُمْ: منع فعل ماض مبني على الفتح، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به أول، والميم للجمع.
أَن تُقْبَلَ: أن حرف مصدري ونصب، تقبل مضارع مبني لما لم يُسمَّ فاعله منصوب بالفتحة الظاهرة؛ والمصدر المؤول (أن تقبل) في محل نصب مفعول به ثانٍ للفعل منع بنزع الخافض (أي منعهم من أن تقبل).
مِنْهُمْ: جار ومجرور متعلق بـ تقبل.
نَفَقَاتُهُمْ: نائب فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة، وهم مضاف إليه.
إِلَّا: أداة حصر واستثناء ملغاة.
أَنَّهُمْ: أن حرف مشبه بالفعل، وهم اسمها.
كَفَرُوا: فعل ماض والواو فاعل والجملة خبر أن؛ والمصدر المؤول (أنهم كفروا) في محل رفع فاعل للفعل منع المؤخر؛ والتقدير: (وما منع قبولَ نفقاتهم شيءٌ إلا كفرُهم بالله).
بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ: جار ومجرور ومعطوف متعلق بـ كفروا.
كُسَالَىٰ: خبر المبتدأ مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر؛ والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل يأتون.
وَلَا يُنفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ: معطوف على ما قبله نظير إعرابه؛ حال مؤكدة لكراهية البذل.
توجيه القراءات:
قرأ حمزة والكسائي: {أَن يُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ} بالياء التذكيرية على تذكير الجمع أو النفقات كالمصدر، وقرأ الباقون من العشرة {أَن تُقْبَلَ} بالتاء التأنيثية لمطابقة لفظ النفقات جمع المؤنث السالم.
وقرأ حمزة والكسائي أيضاً في الموضع السابق: {نَفَقَتُهُمْ} بالإفراد، وقرأ الباقون {نَفَقَاتُهُمْ} بالجمع. وهما وجهان إعجازيان متواتران يثبتان شمول الحكم لكل نفقة فردية أو جمعية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التشريح الحصري لدواعي الحبوط: بعد أن أعلن في الآية (53) الحكم الإجمالي {لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ}، جاءت هذه الآية (54) لتضع "التحليل السريري العقدي" للمرض؛ فبيّنت أن العمل لا يقبل إلا إذا سلم من موانع القبول الثلاثة الكبرى: (فساد العقيدة بالكفر، وفساد العبادة البدنية بالكسل، وفساد العبادة المالية بالكراهية والشح).
التلازم بين الصلاة والزكاة في حياة المؤمن والمنافق:
في وصف المؤمنين: يقيمون الصلاة وينفقون وهم راغبون يرجون رحمة الله.
في وصف المنافقين: يأتون الصلاة كسالى وينفقون وهم كارهون؛ لتتجلى المقابلة النفسية التامة بين الإخلاص والنفاق في شعائر الإسلام الكبرى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع بعض المؤمنين في الكسل العارض في الصلاة:
قد يقع في قلب المؤمن خوف ورعب حين يقرأ قوله {وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَىٰ}؛ فيخشى أن يكون منافقاً إن كسل يوماً أو تثاقل عن قيام ليل أو فجر.
الرد والمحاكمة الإيمانية الدقيقة لأئمة السلف:
كسل المنافقين المذكور هنا هو كسل مستمر نابع من خلو القلب من الإيمان بالله واليوم الآخر؛ فهم لا يصلون في خلواتهم أصلاً، وإنما يأتون الصلاة في المسجد فقط ليراهم الناس مراءاة ومداراة؛ كما قال ابن عباس: «إِنَّمَا ذَلِكَ المُنَافِقُ، إِنْ صَلَّى صَلَّى رِيَاءً، وَإِنْ غَابَ لَمْ يُصَلِّ».
أما المؤمن الصادق فقد يعتريه كسل عارض لمرض أو إجهاد أو تعب بدني، ولكنه موقن بفرضية الصلاة، خائف من تضييعها، يحاسب نفسه ويستغفر ربه ويجاهدها في ذات الله؛ فهذا كسل طبيعي بشري لا يخرجه من الإيمان، وإن كان عليه أن يجاهده لئلا يتشبه بالمنافقين.
هذا التكرار للحصر يغلق كل باب لتزكية أنفسهم ويبين أن النفاق استغرق كل تصرفاتهم.
التصوير الحركي النفسي في {كُسَالَىٰ} و{كَارِهُونَ}: تصوير معجز لثقل حركاتهم النفسية والجسدية؛ فالصلاة عليهم جبل يثقل كواهلهم، وبذل الدرهم يقطع نياط قلوبهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاسبة النفس في الصلاة والإنفاق: على كل مؤمن أن يعرض نفسه على هذه الآية: كيف أقبل على صلاتي؟ هل بنشاط وفرح أم بكسل وتثاقل؟ وكيف أخرج زكاتي وصدقتي؟ هل بطيب نفس واحتساب أم بكراهة وثقل؟ فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فليستغفر وليتب.
روح العبادة هي الرضا والنشاط: العبادة في الإسلام ليست طقوساً حركية جافة ولا ضريبة مالية تؤخذ كرهاً، بل هي صلة حب ورجاء وشكر بين العبد وخالقه العظيم.