أسباب النزول ومرويات الباب في عتاب المحبة النبوي: أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر عن مجاهد وقتادة وعمرو بن ميمون الأودي ومحمد بن كعب القرظي قالوا: لما استنفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس لغزوة تبوك، جاءه جماعة من المنافقين (منهم جد بن قيس ورفاعة بن تابوت وجماعة) يعتذرون بأعذار واهية كاذبة ويسألونه أن يأذن لهم في القعود، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من كرم خلقه وحيائه وسماحته يقبل عذر من اعتذر ويأذن له بالقعود؛ فأنزل الله عز وجل معاتباً نبيه صلى الله عليه وسلم بألطف عتاب وأرق خطاب، مفتتحاً بالعفو قبل المعاتبة: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}.
أقوال أئمة السلف والتفسير في سر تقديم العفو:
قال عمرو بن ميمون الأودي وعون بن عبد الله (تفسير الطبري، جـ 14، ص 275)مصدر غير محدد١٤/٢٧٥: «هَلْ سَمِعْتُمْ بِمُعَاتَبَةٍ أَحْسَنَ مِنْ هَذَا؟! بَدَأَ بِالعَفْوِ قَبْلَ المَعْتِبَةِ؛ فَقَالَ: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ».
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 275)جامع البيانالطبري١٤/٢٧٥: عفا الله عنك يا محمد ما كان منك من إذنك لهؤلاء المنافقين بالتخلف حين استأذنوك، وكان الأولى بك ألا تأذن لهم حتى يظهر أمرهم ويتمايز لك الصادق الذي حبسه العذر الحقيقي ممن قعد نفاقاً وكذباً.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 156)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٥٦: هذا عتاب رقيق كريم من رب رحيم لنبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم؛ حيث قدم العفو لطمأنة قلبه الشريف لئلا ينخلع قلبه من هيبة المعاتبة، ثم قال: {لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ}: أي هلّا تركتهم حتى لا تأذن لأحد منهم، فتعلم من كان صادقاً في طاعتك فيخرج على كل حال، وتكشف الكاذب المتمرد الذي يقعد عن النفير ولو لم تأذن له؛ فتسقط هيبتهم وينكشف نفاقهم للناس.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 185)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٨٥: الآية دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد برأيه فيما لم ينزل فيه وحي خاص؛ فاجتهد في الإذن لهم رفقاً وسماحة، فعاتبه ربه بأدب رفيع؛ والذنب هنا ليس معصية حاشا وكلا، بل هو ترك الأفضل والأولى في السياسة الشرعية؛ ولذلك بدأه بالعفو.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 338)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٨: عاتبه الله على إرادته التيسير عليهم، وكان الحزم يقتضي عدم الإذن ليظهر الصادق من الكاذب بالامتحان والمحك؛ وفي تقديم العفو دلالة على كمال منزلة النبي وحب الله له.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
عَفَا: العفو المحو والطمس والتجاوز والصفح والفضل؛ وعفا الله عنه أي أسبغ عليه رضوانه وتجاوز عما كان خلاف الأولى.
لِمَ: أصلها لما (اللام الجارة وما الاستفهامية)، وحذفت ألف ما الاستفهامية وجوباً في لسان العرب إذا دخل عليها حرف الجر تخفيفاً وفرقاً بينها وبين الموصولة؛ والاستفهام هنا للعتاب التربوي وإرشاد النبي إلى الأولى.
أَذِنتَ: الإذن الإعلام بإباحة الشيء ورفع الحظر والمنع عنه؛ يقال أذن له في كذا إذا رخص له فيه.
يَتَبَيَّنَ: التبين ظهور الشيء وانكشافه ووضوحه وضوحاً تاماً لا لبس فيه.
الإعراب التفصيلي:
عَفَا: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
عَنكَ: جار ومجرور متعلق بـ عفا.
لِمَ: اللام حرف جر للتعليل، ما اسم استفهام مبني على السكون في محل جر وحذفت ألفه، والجار والمجرور متعلق بـ أذنت، والجملة مستأنفة للعتاب.
أَذِنتَ: فعل ماض مبني على السكون، والتاء فاعل.
لَهُمْ: جار ومجرور متعلق بـ أذنت.
حَتَّىٰ: حرف غاية وجر.
يَتَبَيَّنَ: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
لَكَ: جار ومجرور متعلق بـ يتبين.
الَّذِينَ: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ يتبين.
صَدَقُوا: فعل ماض والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها؛ والمصدر المؤول (أن يتبين) في محل جر بـ حتى متعلق بـ أذنت في سياق النفي المدلول عليه بـ لِمَ (أي: لمَ لمْ تنتظر حتى يتبين لك).
وَتَعْلَمَ: الواو عاطفة، تعلم مضارع منصوب بالمعطوف على يتبين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
الْكَاذِبِينَ: مفعول به منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نصب {يَتَبَيَّنَ} و{وَتَعْلَمَ} وحذف ألف {لِمَ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
قمة الأدب الإلهي مع مقام النبوة: لو قال الله مباشرة: "لِمَ أذنت لهم عفا الله عنك"، لتوجس قلب النبي الشريف روعاً عند سماع العتاب أولاً؛ فلما بدأ بقوله: {عَفَا اللَّهُ عَنكَ} سكنت نفسه الشريفة، واطمأن قلبه بالرضوان المطلق، ثم ورد العتاب اللطيف في صورة الإرشاد السياسي لما هو أكمل وأحزم؛ وهذا أبلغ أساليب المخاطبة والتكريم.
الارتباط بالمقصد التمحيصي للسورة: السورة من مقاصدها الكبرى "فضح المنافقين وتمييز الصفوف"؛ وإذن النبي لهم قبل ظهور تمايزهم ستر عليهم وأعطاهم غطاءً شرعياً يتعللون به، فكان عتاب الله لنبيه دعوة لكشف أوراقهم وإسقاط أقنعتهم بالمحك العملي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع النبي صلى الله عليه وسلم في الذنب والمعصية:
يثير بعض الجُهال أو المشككين هذه الآية ليزعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم ارتكب ذنباً استوجب العفو والعتاب.
الرد والتحقيق العقائدي المحكم لأهل السنة والجماعة:
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون إجماعاً من الكبائر ومن الصغائر التي تخل بالرسالة والشرف، ومعصومون قطعاً في تبليغ الوحي والشريعة.
ما وقع منه صلى الله عليه وسلم هنا ليس معصية لنص شرعي؛ لأنه لم يكن قد نزل عليه وحي يمنعه من الإذن؛ بل كان اجتهاداً نبوياً رحيماً في أمر دنيوي وسياسي، مال فيه إلى خلقه العظيم وسماحته وقبول ظاهر أعذار الناس.
العتاب هنا هو من باب: "حسنات الأبرار سيئات المقربين"؛ أي عتاب على ترك الأكمل والأحزم إلى الفاضل السهل؛ فكان الأولى عدم الإذن ليفتضح المنافق بقعوده الصريح.
تصدير الآية بـ {عَفَا اللَّهُ عَنكَ} ليس تكفيراً لذنب محرم، بل هو إكرام وملاطفة نبوية وتطمين مسبق يرفع كل لوم؛ كقول القائل لحبيبه المكرم: "غفر الله لك، لمَ فعلت هذا؟".
البداءة بجملة الدعاء والرحمة التقريرية {عَفَا اللَّهُ عَنكَ}: صيغة ماضية تفيد ثبوت العفو التام وتحققه، وتقديمها على الاستفهام الإنكاري أعظم مظاهر التكريم الإلهي لسيد الخلق صلى الله عليه وسلم.
الغاية بـ {حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ}: لبيان أن الصدق والكذب في الميدان لا يعرفان بالمعاذير الملفقة والشفاه المتقلبة، بل يعرفان بظهور الأفعال في الواقع المشهود.
التقابل في التعبير بين {الَّذِينَ صَدَقُوا} بالجملة الفعلية، و{الْكَاذِبِينَ} بالاسمية: للدلالة على أن الصدق عمل وتجدد وممارسة مستمرة، بينما الكذب صار سجية وصفة لازمة لهؤلاء المنافقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أدب المعاتبة مع الفضلاء والقادة: تمنحنا الآية درساً تربوياً خالداً في أدب معاتبة أهل الفضل والمحبين؛ فإذا أردت معاتبة أخيك أو من تحب فابدأ بالثناء عليه والاعتراف بفضله وتأمينه، ثم وجه عتابك برفق ومحبة.
الحزم في إدارة الصف وحظر المعاذير السائغة للمترددين: ينبغي للقائد ألا يتسرع في إعطاء الرخص لمن لا يستحقها، بل يضع الناس أمام مسؤولياتهم ليتميز الصادق في البذل من الكاذب الذي يبحث عن رخصة ليتنصل من واجبه.