قال ابن جرير الطبري وابن كثير والقرطبي: "يخبر تعالى أنه ما من نفقة ينفقها المجاهدون في سبيله؛ صغيرة كانت كتمرة، أو كسرة خبز، أو علاقة سوط، أو شراك نعل، أو كبيرة كبذل الدنانير وحملان الخيل والإبل وتجهيز الجيوش، ولا يقطعون في مسيرهم وادياً صاعدين أو هابطين، إلا كتبه الله لهم عملاً متقبلاً مدوناً، ليجزيهم الله في الآخرة أحسن وأعظم مما عملوا من الثواب والكرامة".
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ: "اتقوا النار ولو بشق تمرة". وفي صحيح مسلم عن أبي مسعود الأنصاري: جاء رجل بناقة مخطومة فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ: "لك بها يوم القيامة سبعمئة ناقة كلها مخطومة!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
دلالة "الوَادِي" والقطع:
الوادي: منفرج بين الجبال أو التلال تسيل فيه مياه الأمطار؛ وقطعه هو المشي فيه واجتيازه سفراً؛ واستعماله هنا لتصوير المسافات الجغرافية الشاقة التي يجتازها المجاهد في سفره؛ فكل وادٍ يقطعه في ذهابه وإيابه يسجله الله له حسنة.
"كُتِبَ": فعل ماض مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الإنفاق أو القطع (أو المصدر المؤول).
"لَهُمْ": متعلق بـ "كتب".
"لِيَجْزِيَهُمُ": اللام لام التعليل، مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله، وهم مفعول به أول.
"اللَّهُ": لفظ الجلالة فاعل مؤخر مرفوع بالضمة.
"أَحْسَنَ": مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، وهو مضاف.
"مَا": اسم موصول في محل جر مضاف إليه.
"كَانُوا يَعْمَلُونَ": صلة الموصول، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ "كتب".
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكامل صور التضحية والوفاء بالعهد: بعد أن ذكر في الآية السابقة التضحيات البدنية والنفسية (الظمأ والنصب والمخمصة ومواطئ العدو)، أتبعها هنا بذكر التضحيات المالية والمكانية (النفقات وقطع الأودية)؛ لتستوعب الآيتان معاً كل حركة وسكون وبذل يبذله المؤمن في سبيل دينه، مؤكدة أنه محفوظ غير منسي.
الارتباط ببيعة الشراء في الآية (111): هذا النص هو البيان التفصيلي لكيفية وفاء المشتري سبحانه بحقوق البائعين؛ فكل صغيرة وكبيرة من المال والنفس مقيدة ومثاب عليها بأحسن الجزاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استصغار النفقة القليلة وأنها لا وزن لها: قد يظن الإنسان أن الدرهم أو التمرة أو التبرع اليسير لا يستحق التسجيل والذكر في القرآن!
الدفع والمحاكمة العقلية واليقينية:
ميزان الله يقوم على العدل والفضل المطلق؛ {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ}؛ وتصدير الآية بـ {صَغِيرَةً} قبل {كَبِيرَةً} تنبيه للمؤمن أن لا يحقرن من المعروف شيئاً؛ فالقليل مع الصدق يربيه الله حتى يثقل الموازين، والجهاد يقوم على قطرات الجهود الصغيرة التي تتجمع لتصنع سيلاً جارفاً يعز الله به الإسلام.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
التقديم البياني في {صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً}: تقديم الصغيرة لجبر خواطر الفقراء وتشجيع الضعفاء الذين لا يملكون إلا اليسير، ليعلموا أن نفقتهم الصغيرة مذكورة عند الله مقبولة كنفقة أصحاب الملايين.
صيغة التفضيل في {أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}: الجزاء ليس بمثل العمل فحسب، بل بأحسن ما عملوا؛ فيغفر السيئات ويضاعف الحسنات الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف إلى أضعاف كثيرة بفضله وجوده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدم احتقار أي جهد أو دعم للمشاريع الإسلامية: على كل مسلم أن يسهم في نصرة أمته بما يستطيع؛ بريال، بقلم، بكلمة، بوقفة، بقطع مسافة؛ فكل خطوة يخطوها العبد في سبيل نصرة الحق مدونة في ديوان الحسنات.
استشعار معية الله في الأسفار الدعوية: يطمئن الدعاة الذين يقطعون الفيافي والبلدان لنشر الإسلام أن خطواتهم وقطعهم للأودية والدروب عبادة مقربة يكتبها الله لهم في صحائف مجدهم.