أسباب النزول ومرويات الباب: تتمة لبشائر النصر على مشركي مكة وحلفائها من بني بكر. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة ومجاهد أن قوله تعالى: {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ} نزل إخباراً بالمغيبات التي تحققت لاحقاً؛ حيث فتح الله قلوب كثير من قادة المشركين وأهل مكة للإسلام (كأبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية)، فأسلموا وحسن إسلامهم بعد أن كانوا رؤوساً في الحرب على الإسلام.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 167)جامع البيانالطبري١٤/١٦٧: {وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ}: أي يزيل ما في قلوب المؤمنين من الحنق الشديد والغضب المؤلم لما نالهم من المشركين من القهر والقتل والعدوان. ثم استأنف جل شأنه ببيان سعة رحمته: {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ} من هؤلاء المشركين الذين قاتلوكم، بأن يوفقهم للإنابة والدخول في دين الإسلام.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 120)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٢٠: في قوله {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ} نبوءة إعجازية صادقة؛ فإن كثيراً ممن قاتلوا المسلمين يوم الفتح وحنين أسلموا وصاروا من خيار جند الله، وتاب الله عليهم برحمته وعلمه وحكمته.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 100)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٠٠: الغيظ هو أشد الغضب وحرارة القلب عند العجز عن دفع الظلم، فلما أمكن الله المؤمنين منهم ونصرهم ذهب ذلك الغيظ واستقرت السكينة في القلوب؛ ثم علق التوبة بالمشيئة لبيان تفرد الله بالهداية.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 331)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣١: إذهاب الغيظ نعمة نفسية عظيمة؛ لأن الغيظ إذا استكن في القلب أحرقه وأفسد عليه راحته، فإذا نصر الله الحق برد القلب واطمأن؛ ومع ذلك لا ييأس المسلم من توبة عدوه فباب التوبة مفتوح بمشيئة العليم الحكيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
غَيْظَ: الغيظ أشد الغضب والغليان الباطن في النفس الناشئ عن العجز عن الانتصار للحق في حينه، وأصله في كلام العرب الامتلاء، يقال غاظه الأمر إذا ملأه كرباً وحنقاً.
قُلُوبِهِمْ: القلوب جمع قلب، وسمي قلباً لكثرة تقلبه وسرعة تحوله، وهو مستودع الغيظ والسكينة والإيمان.
وَيَتُوبُ: التوبة في حق الله على عبده تعني الرجوع عليه بالتوفيق والقبول والمغفرة والرحمة بعد العصيان.
الإعراب التفصيلي:
وَيُذْهِبْ: الواو عاطفة، يذهب مضارع مجزوم بالسكون معطوف على جواب الطلب (يشفِ)، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى.
غَيْظَ: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
قُلُوبِهِمْ: مضاف إليه مجرور بالكسرة، وهم ضمير متصل مضاف إليه.
وَيَتُوبُ: الواو استئنافية، يتوب فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة لتجرده من الناصب والجازم، والجملة مستأنفة مسوقة للإخبار عن مشيئة الله في التوبة (وقرئ بالجزم عطفاً على يذهب).
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
عَلَىٰ مَن: على حرف جر، من اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ يتوب.
يَشَاءُ: مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
قرأ جمهور القراء العشرة: {وَيَتُوبُ اللَّهُ} بالرفع على الاستئناف؛ لأن التوبة وعد عام غير مقيد بمباشرة القتال، فالمشيئة الإلهية نافذة ومستقلة.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي في بعض الروايات بالجزم {وَيَتُبِ اللَّهُ} بالعطف على جواب الطلب السابق {يُعَذِّبْهُمُ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النقاء الروحي بعد الانتصار المادي: بعد أن تحقق النصر العسكري في الآية السابقة، أتبعه الله بنعمة الشفاء التام بإذهاب الغيظ وتنقية القلوب؛ ليدخل المؤمنون مرحلة النصر بقلوب بيضاء صافية ليس فيها حقد ولا غل ولا رغبة في الانتقام الأعمى.
التوازن القرآني بين العدالة والرحمة: الجمع العجيب بين {يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ} و{يُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ} من جهة، وبين {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ} من جهة أخرى؛ ليعلم المجاهد أن حربه ليست حرب كراهية للبشر لذواتهم، بل هي حرب على الكفر والظلم، فإذا ألقى العدو سلاحه وتاب فتح الله له أبواب رحمته وصار أخاً في الدين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إغلاق باب الهداية أمام الكفار المحاربين:
قد يظن البعض أن أوامر القتال والتعذيب بالقتل تعني الحكم النهائي على هؤلاء المحاربين بالهلاك والحرمان من الهداية.
الرد المعجز: قوله {وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ} في سياق هذه المعركة بذاتها يثبت أن الإسلام لا يغلق باب التوبة في وجه أحد كائناً ما كانت جرائمه السابقة؛ والتاريخ يشهد أن أشرس أعداء المسلمين في بدر وأحد تحولوا بتوبة الله عليهم إلى صحابة أجلاء بذلوا أرواحهم لإعلاء كلمة الله.
إضافة الغيظ إلى القلوب: {غَيْظَ قُلُوبِهِمْ}؛ لأن الغيظ إذا تمكن استقر في سويداء القلب وأفسد مجاري الروح، وإذهابه بالكلية معجزة ربانية تطهر المشاعر وتزرع الرضا والطمأنينة.
الالتفات إلى الاستئناف بالرفع {وَيَتُوبُ}: الرفع يقطع الفعل عن الجزم المشروط بالقتال؛ إشعاراً بأن التوبة والهداية فضل إلهي رحماني مستقل يجود به الله على من يشاء من عباده بعلمه وحكمته.
الختام بـ {عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: عليم بمن يستحق التوبة ويصلح للإيمان في قلبه، حكيم في تدبير مواقيت النصر وموازين القلوب وأقدار العباد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سلامة الصدر تاج الانتصار: المؤمن الصادق لا يدع الغيظ يدمر قلبه، بل يفرح بنصر الله ويسلم أمره لمولاه، ويتمنى الهداية لأعدائه بعد كسر شوكة باطلهم.
عظمة الفتوحات الإسلامية الأخلاقية: الفتح النبوي لمكة لم يكن فتح إبادة وانتقام، بل كان فتح عفو وتوبة وتطهير؛ مصداقاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة بعد أن تمكن منهم: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».