المثل القرآني المعجز في الموازنة بين المؤمن والمنافق:
ضرب الله تبارك وتعالى في هذه الآية مثلاً حسياً معجزاً يخلع القلوب؛ مبيناً الفارق بين بنيان الحق الثابت على الصخرة الصماء، وبين بنيان الباطل الهش المتهاوي فوق الهاوية.
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم عن ابن عباس ومجاهد وقتادة:
{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ}: هو رسول الله ﷺ وصحابته الكرام الذين بنوا مسجدهم ودينهم وحياتهم على أساس متين راسخ من مخافة الله وطاعته وابتغاء مرضاته، فثبت بنيانهم وعلا شأنهم.
{أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ}: هم المنافقون الذين بنوا مسجد الضرار ودين النفاق الهش على شفا جرف متهدم متداعٍ، فهوى بهم في قعر نار جهنم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
الجُرُف (بضم الجيم والراء أو سكون الراء): جانب الوادي أو النهر الذي جرفته السيول وأكلت أصله من تحته فبقي معلقاً مفرغاً في الهواء آيلاً للسقوط عند أدنى حركة.
هَارٍ: أصله هائر (اسم فاعل من هارَ يَهُورُ أو هَارَ يَهَارُ)، إذا انصدع وتداعى وتشقق للسقوط، فحذفت لامه وعينه بالقلب المكاني وصار على وزن "فَالٍ"؛ وهو في غاية الرخاوة والسقوط الوشيك.
الإعراب المفصل:
"أَفَمَنْ": الهمزة للاستفهام التقريري والتوبيخي، الفاء عاطفة، "مَن" اسم موصول مبتدأ مبني على السكون في محل رفع.
"أَسَّسَ": فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو.
"بُنْيَانَهُ": مفعول به منصوب، والهاء مضاف إليه، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
"عَلَىٰ تَقْوَىٰ": جار ومجرور متعلق بـ "أسس".
"مِنَ اللَّهِ": جار ومجرور نعت لـ "تقوى".
"وَرِضْوَانٍ": معطوف مجرور بالكسرة.
"خَيْرٌ": خبر المبتدأ "مَن" مرفوع بالضمة الظاهرة.
"أَم": حرف عطف متصلة للموازنة والتعيين.
"مَّنْ": اسم موصول معطوف على "مَن" الأولى في محل رفع.
"أَسَّسَ بُنْيَانَهُ": ماض ومفعوله، والصلة لا محل لها.
"عَلَىٰ شَفَا": متعلق بـ "أسس"، وشفا مضاف.
"جُرُفٍ": مضاف إليه مجرور بالكسرة.
"هَارٍ": نعت لـ "جرف" مجرور بكسرة مقدرة على الياء المحذوفة للتنوين.
"فَانْهَارَ": الفاء عاطفة سببية، ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الجرف.
"بِهِ": متعلق بـ "انهار"؛ والباء للملابسة أو التعدية (أي أسقطه معه وسحبه إلى الهاوية).
"فِي نَارِ": متعلق بـ "انهار".
"جَهَنَّمَ": مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اللوحة التصويرية الحركية الباهرة: ينقلنا القرآن العظيم من الحوار النظري إلى مشهد سينمائي حي ومجسم؛ رجل يبني قصره على صخرة التقوى الثابتة الراسخة الشامخة، ورجل آخر مجنون يبني جدرانه على حافة هاوية مهترئة جرفتها السيول، وفجأة تحت ثقل البناء تنهار الحافة بالباني والبنيان معاً في قاع جهنم السحيق؛ صورة تخرس العقول وتزلزل القلوب.
التذييل بـ {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}: بيان أن سوء عاقبتهم وانحدارهم إلى الجحيم هو ثمرة ظلمهم وعدوانهم المستحكم الذي حرمهم من نور الهداية والتوفيق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاستشهاد بالازدهار المادي لمؤسسات الباطل ومبانيهم الضخمة: قد يرى الإنسان دولاً ملحدة أو مشاريع نفاقية تشيد ناطحات سحاب ومؤسسات عملاقة فتبدو للناظرين غاية في الثبات والرسوخ، فكيف يقول القرآن إنها على شفا جرف هار؟
الدفع والمحاكمة العقلية والتاريخية العميقة:
الرسوخ الحقيقي هو الرسوخ الذي يقاوم عواصف القيامة والبرزخ وسنن الانهيار الحضاري؛ فكم من حضارة شامخة (كحضارة عاد وثمود والفراعنة) شيدت الصروح العظيمة في الصخور، فلما خلت من تقوى الله انهارت بها تلك الصروح في لحظة واحدة وتحولت إلى رماد، وانتهت إلى نار جهنم.
فالمعيار القرآني ينظر إلى المآل النهائي الأبدي؛ وكل بناء -مهما بدا متماسكاً في الظاهر- لا يقوم على الإيمان والعدل والتقوى فهو مبني على شفا جرف هارٍ، مآله الحتمي إلى الزوال والانهيار في جهنم وبئس المصير.
البلاغة الحركية في فعل {فَانْهَارَ بِهِ}: الباء هنا في غاية الروعة؛ تدل على أن الجرف المنهار لم يسقط وحده، بل تشبث بالباني وسحبه معه إلى الهاوية سحباً لا فكاك منه، مصوراً المصير المشؤوم لمن يربط مصيره بالباطل.
المقابلة بين الرضوان والهاوية: جمع بين غاية السمو (رضوان من الله) وغاية السقوط والدركات (نار جهنم)، لإظهار البون الشاسع بين مصير المؤمن ومصير المنافق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تفقد أسس البناء في كل عمل: على المسلم أن يتفقد نيته في كل خطوة ومؤسسة وعمل؛ هل أسسها على التقوى وابتغاء وجه الله، أم على الرياء والمباهاة والسمعة؟ فإن أساس الرياء جرف هارٍ يهوي بصاحبه.
الثبات واليقين في مواجهة صروح الباطل: يمنح هذا المثل القرآني المؤمنين يقيناً ثابتاً بأن صروح الظلم والنفاق وإن علت وزخرفت فإنها محكومة بالانهيار السريع بحكم السنن الإلهية القاطعة.