أسباب النزول ومرويات الباب والتفسير النبوي الصريح: أخرج الترمذي وحسنه (رقم: 3095)مصدر غير محددحديث رقم ٣٠٩٥ وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في السنن عن عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وفي عنقي صليب من فضة (وكان عدي نصرانياً في الجاهلية قبل إسلامه)، فقال لي: «يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ»، وسمعته يقرأ في سورة براءة: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ}، فقلت: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم! فقال صلى الله عليه وسلم: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ، وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ».
أقوال أئمة السلف والتفسير في حقيقة التشريع والربوبية:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 224)جامع البيانالطبري١٤/٢٢٤: بين رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى اتخاذهم أرباباً؛ وهو أنهم أطاعوا رؤساءهم وعلمائهم ورهبانهم في معصية الله؛ فحللوا ما حرم الله واستحلوه، وحرموا ما أحل الله فالتزموه؛ فجعلوا لهم حق التشريع والتحليل والتحريم من دون الله، وتلك هي العبادة التي لا تجوز إلا لله وحده.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 137)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٣٧: روى حذيفة بن اليمان وابن عباس وأبو العالية أنهم لم يكونوا يسجدون ولا يصلون لأحبارهم ورهبانهم، ولكنهم اتبعوهم في تبديل دين الله وتقديم أحكامهم على نصوص كتبهم؛ فصار ذلك عبادة واتخاذاً لأرباب.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 146)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١٤٦: الأحبار جمع حِبر أو حَبر (بكسر الحاء وفتحها) وهو عالم اليهود، والرهبان جمع راهب وهو عابد النصارى المنقطع في الصومعة والترهب؛ وفي الآية دليل قاطع على أن من أطاع إنساناً في تحليل حرام قطعي أو تحريم حلال مجمع عليه كافراً معتقداً لذلك فقد اتخذه رباً وخرج من الملة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية (مجموع الفتاوى، جـ 7، ص 70)مجموع الفتاوىابن تيمية٧/٧٠: هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً جعلوا لهم التحليل والتحريم وتبعوهم في ذلك، وهذا التفسير النبوي الصريح يبين أن العبادة تتضمن الانقياد في التشريع والطاعة المطلقة كما تتضمن السجود والدعاء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
أَحْبَارَهُمْ: الأحبار جمع حَبْر أو حِبْر، مأخوذ من التحبير وهو التزيين والتنسيق والكتابة الحسنة؛ وسمي العالم حبراً لحسن بيانه وكتابته وإتقانه للعلوم.
رُهْبَانَهُمْ: الرهبان جمع راهب، مأخوذ من الرَّهَب وهو الخوف والخشية الشديدة؛ واستعمل لمن تفرغ للعبادة في الصوامع والأديرة خوفاً من الفتن وطلباً للزهد.
أَرْبَابًا: الأرباب جمع رَبّ، والرب في اللغة هو المالك والمربي والسيد المطاع؛ واتخاذهم أرباباً أي سادة مطاعين طاعة مطلقة في التشريع والتحليل والتحريم.
سُبْحَانَهُ: مصدر سبح يسبح تسبيحاً، ملازم للنصب على المفعولية المطلقة بفعل محذوف، ويفيد التنزيه والبراءة التامة لله من كل نقص وشريك وولد وندّ.
الإعراب التفصيلي:
اتَّخَذُوا: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل.
أَحْبَارَهُمْ: مفعول به أول لـ اتخذوا منصوب بالفتحة، وهم مضاف إليه.
وَرُهْبَانَهُمْ: معطوف منصوب، وهم مضاف إليه.
أَرْبَابًا: مفعول به ثانٍ لـ اتخذوا منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ: الواو عاطفة، المسيح معطوف على أحبارهم منصوب، وابن نعت منصوب، ومريم مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف للعلمية والتأنيث.
وَمَا أُمِرُوا: الواو حالية، ما نافية، أمروا فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله، والواو نائب فاعل، والجملة في محل نصب حال.
إِلَّا: أداة حصر واستثناء ملغاة.
لِيَعْبُدُوا: اللام للتعليل، يعبدوا مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل بحذف النون، والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ أمروا.
إِلَٰهًا: مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَاحِدًا: نعت لـ إلهاً منصوب بالفتحة.
لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ: لا نافية للجنس، إله اسمها مبني على الفتح، وخبرها محذوف تقديره بحق، إلا أداة حصر، هو بدل من الضمير في الخبر المحذوف؛ والجملة بدل أو نعت ثانٍ لـ إلهاً.
يُشْرِكُونَ: مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والصلة أو المصدر المؤول في محل جر بعن متعلق بـ سبحانه.
توجيه القراءات:
اتفقت القراءات العشر المتواترة على نظم الآية ورسمها وضبطها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تفكيك جذور الشرك لدى أهل الكتاب: كشفت الآية السابقة (30) انحرافهم في الغلو في الأشخاص (عزير والمسيح)، وجاءت هذه الآية (31) لتكشف انحرافهم الأخطر في "سلطة التشريع والانقياد"؛ حيث تنازلوا عن سيادة الوحي الإلهي للأحبار والرهبان، فصارت سلطة التحليل والتحريم بأيدي رجال الدين؛ وهذا أصل كل ضلال في تحريف الأديان.
التوحيد هو الأصل المنسي: قوله {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا} تذكير بأن الكتب السماوية كلها (التوراة والإنجيل والقرآن) اتفقت على مقصد واحد وهو إفراد الله بالعبادة والتشريع، فخالفوا كتبهم واتبعوا أهواء الأحبار.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة حصر الشرك في السجود والأصنام دون التشريع:
يزعم بعض العلمانيين أن الشرك في القرآن محصور فقط في السجود للأصنام، وأن تقنين القوانين ومخالفة الشريعة لا يدخل في مسمى الشرك أو اتخاذ الأرباب.
الرد والمحاكمة العقلية والشرعية الحازمة:
الحديث النبوي الصحيح لعدي بن حاتم حسم هذه الشبهة حسماً قاطعاً لا يحتمل المواربة؛ فعندما استشكل عدي وقال: "لسنا نعبدهم!"، بيّن له النبي صلى الله عليه وسلم أن "التحليل والتحريم هو عين العبادة"؛ فالطاعة في إسقاط حكم الله واستبداله بحكم بشري هي عبادة لغير الله واتخاذ للمخلوق رباً.
التشريع حق خالص للخالق سبحانه؛ لأنه وحده العليم بما يصلح للبشر في معاشهم ومعادهم، فمن ادعى لنفسه أو لغيره حق تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله فقد نازع الله في أخص خصائص ربوبيته وألوهيته.
استبدال شرائع الأنبياء بفتاوى الرهبان قاد أوروبا في العصور الوسطى إلى استبداد الكنيسة وصكوك الغفران والحرمان، مما يثبت صدق التحذير القرآني العظيم من تحكم رجال الدين في دين الله.
عطف المسيح على الأحبار والرهبان: {أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ... وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ}؛ لبيان أن اتخاذ المسيح إلهاً لا يختلف في ميزان التوحيد عن اتباع الأحبار والرهبان في التحليل والتحريم؛ فكلاهما شرك مخرج عن عبادة الله الواحد.
الحصر في {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا}: نفي واستثناء يفيد الحصر المطلق؛ أي لم ينزل الله كتاباً ولم يبعث رسولاً إلا بكلمة التوحيد الخالصة.
التنزيه التعقيبي في {سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}: كلمة التنزيه (سبحان) تفيد تنزيه الله الذاتي والصفاتي والتشريعي عن كل شريك وندّ يزعمه الكافرون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب تحكيم شرع الله ونبذ التبعية العمياء: المسلم الحق لا يقدس الرجال، ولا يتبع عالماً في خلاف نص صريح من القرآن والسنة؛ فالعلماء أدلاء على الشرع وليسوا مشرعين مع الله.
التوحيد تحرير حقيقي للإنسان: حين يعبد الإنسان رباً واحداً متفرداً بالتشريع يتحرر من عبودية الأشخاص والكهنوت وأصحاب المصالح، ويعيش حراً في كنف العدالة الإلهية.