سبب النزول العاطفي المؤثر (خبر البكائين رضي الله عنهم):
أخرج ابن جرير الطبري وابن أبي حاتم وابن إسحاق والواحدي عن مجاهد وقتادة ومحمد بن كعب القرظي، أن هذه الآية نزلت في نفر من خيار الصحابة من الأنصار وغيرهم، يُعرفون بـ "البكائين"، وكانوا سبعة نفر: سالم بن عمير، وعلبة بن زيد (أخو بني حارثة)، وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب، وعمرو بن عَنَمَة، وعبد الله بن مغفل المزني، وهرمي بن عبد الله، وعرباض بن سارية (وقيل: بنو مقرن من مزينة معقل وسويد ومعقل إخوة النعمان بن مقرن).
جاؤوا إلى رسول الله ﷺ في غزوة تبوك وهم مشتاقون للجهاد ونيل الشهادة، لكنهم فقراء عراة حفاة ليس لهم رواحل، فقالوا: "يا رسول الله احملنا معك نغزو الروم"، فقال لهم النبي ﷺ متأسفاً حزيناً: {لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ}، فرجعوا إلى منازلهم وأعينهم تفيض من الدموع الغزيرة حرقة وألماً ألا يجدوا مالاً ولا ركوبة ينفقونها في سبيل الله، فأنزل الله هذه الآية تخليداً لدموعهم ورفعاً لدرجاتهم.
قصة علبة بن زيد رضي الله عنه وصدقة الليل:
أخرج ابن إسحاق وابن عبد البر في الاستيعاب والبيهقي في الدلائل: أن علبة بن زيد رضي الله عنه لما رجع حزيناً بكى ليلته، ثم قام فصلى من الليل وقال: "اللهم إنك قد أمرت بالجهاد ورغبت فيه، ولم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني بها في مال أو جسد أو عرض!"، فلما أصبح جاء إلى النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "أين المتصدق بعرضه البارحة؟"، فقام علبة، فقال له النبي ﷺ: "أبشر، فوالذي نفس محمد بيده لقد كُتبت في الزكاة المتقبلة!".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الإعجاز البلاغي والنحوي في {تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ}:
قال أئمة البيان وسيبويه والزمخشري: لم يقل "تفيض دمعاً" أو "تفيض دموعهم"، بل جعل العين نفسها هي التي تفيض، كأن أعينهم من شدة البكاء وغزارة الدموع تحولت كلها إلى ينابيع متفجرة تسيل وتفيض ماءً؛ ونظيره قوله تعالى في سورة القمر: {وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا}، والفيض هو الامتلاء حتى يسيل على الجوانب.
وحرف "مِن" هنا للبيان، أو للابتداء، أو للتبعيض؛ لتصوير أن الدمع السائل جزء يسير مما امتلأت به مآقيهم وقلوبهم من الحرقة والأسى.
الإعراب المفصل:
"وَلَا": الواو عاطفة، "لا" زائدة لتأكيد النفي.
"عَلَى الَّذِينَ": جار ومجرور معطوف على "الضعفاء" في محل جر، ومتعلق بمحذوف خبر ليس المتقدم (أي: ولا حرج على الذين...).
"إِذَا": ظرف زمان شرطي غير جازم.
"مَا": زائدة للتأكيد والتوكيد الزماني.
"أَتَوْكَ": فعل ماض مبني على الضم المقدر، والواو فاعل، والكاف مفعول به، والجملة في محل جر بالإضافة لـ "إذا".
"لِتَحْمِلَهُمْ": اللام لام التعليل، مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر والهاء مفعول به، والمصدر المؤول متعلق بـ "أتوك".
"قُلْتَ": فعل ماض مبني على السكون وفاعله التاء، والجملة جواب شرط "إذا" لا محل لها.
"لَا": نافية للجنس أو مهملة.
"أَجِدُ": فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل مستتر تقديره أنا.
"مَا": اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ "أجد".
"تَوَلَّوا": فعل ماض مبني على الضم المقدر، والواو فاعل، والجملة مستأنفة أو جواب شرط ثانٍ.
"وَّأَعْيُنُهُمْ": الواو حالية، "أعينهم" مبتدأ مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه.
"تَفِيضُ": مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هي يعود على الأعين.
"مِنَ الدَّمْعِ": جار ومجرور متعلق بـ "تفيض"، والجملة الفعلية في محل رفع خبر المبتدأ "أعينهم"، والجملة الاسمية في محل نصب حال من واو "تولوا".
"حَزَنًا": مفعول لأجله منصوب بالفتحة الظاهرة (أو مفعول مطلق، أو حال).
"أَلَّا": "أن" حرف مصدري ونصب، "لا" نافية.
"يَجِدُوا": مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل، والمصدر المؤول في محل جر بحرف جر محذوف متعلق بـ "حزناً" تقديره (من أجل ألا يجدوا).
"مَا": اسم موصول مفعول به.
"يُنفِقُونَ": مضارع مرفوع بثبوت النون وفاعله، وجملة الصلة لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الخالدة بين دمعتين وحالين:
المنافقون المترفون يستأذنون النبي ﷺ في القعود فرحين مستبشرين: {وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُن مَّعَ الْقَاعِدِينَ}.
وهؤلاء المؤمنون الفقراء يبكون بحرقة وتفيض أعينهم دمعاً لأنهم حُرموا من شرف الخروج والموت في سبيل الله!
فأي ميزان أعظم من هذا الميزان القرآني الذي يفصل بين صدق الإيمان وخبث النفاق؟!
عاطفة النبوة وكمال الوفاء: تبرز الآية حزن النبي ﷺ لعجزه عن حملهم؛ فقوله: {لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} صادر عن قلب يتفطر رحمة وتأسفاً لأحبابه وصحابته الصادقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مشروعية الحزن في الإسلام ونهي النبي ﷺ عن الحزن في مواضع أخرى: قد يسأل سائل: كيف يمدح الله هؤلاء الصحابة بحزنهم وبكائهم: {حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنفِقُونَ}، مع أن القرآن يقول: {وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا}، ويقول للنبي: {لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا}؟
الدفع والمحاكمة العقلية والروحية الدقيقة:
الحزن المذموم والمنهي عنه هو حزن الجزع والتسخط على أقدار الله، أو الحزن المقعد الذي يورث اليأس والكسل والإحباط ويشل حركة الإنسان عن العمل والإنتاج.
أما الحزن الممدوح هنا فهو "حزن الشوق إلى الطاعة والعبادة"، والتحسر على فوات مواسم الخيرات ونيل الشهادة والبذل في سبيل الله؛ فهذا الحزن دليل على حياة القلب وعظم الإيمان وصدق المحبة لله ورسوله؛ ولهذا خلد الله ذكرهم وبكاءهم في القرآن العظيم ليكون نبراساً للأجيال.
التصوير الحي للمشهد الوجداني: المشهد القرآني يفيض رقة وجلالاً؛ أبدان مولية عن رسول الله ﷺ وأعين شاخصة متفجرة بالدموع، وقلوب تتقطع حسرة؛ صورة حية ترتجف لها القلوب وتستحي أمامها نفوس المتثاقلين.
التعبير بـ {مَا يُنفِقُونَ}: يبرز أن غايتهم لم تكن مجرد السلامة، بل كانوا يريدون الجمع بين بذل النفس في القتال وبذل المال في التجهيز، فبلغوا بنياتهم أعلى مراتب الصديقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قيمة صدق النية والحرقة على الطاعة: المسلم الصادق يحترق قلبه إذا فاتته صلاة الجماعة أو تعطل عن عمل خيري أو حيل بينه وبين نصرة المستضعفين؛ فهذه الدموع الحارة مقربة إلى الله وتكتب لصاحبها الأجور التامة.
عظمة جيل الصحابة رضي الله عنهم: تتجلى في هذه الآية عظمة الرعيل الأول من صحابة محمد ﷺ؛ الذين لم يكن يبكيهم فوات الصفقات والمتاع الفاني، بل كانت دموعهم تنهمر لفوات فرصة الاستشهاد والمغرم في سبيل الله.