سبب النزول وسياق الوقعة: أخرج ابن إسحاق وابن جرير الطبري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وعروة بن الزبير، أن رجلاً من المنافقين يُدعى الجلاس بن سويد بن صامت، كان قد تخلّف عن غزوة تبوك وقال في مجلس قومه: "لئن كان هذا الرجل صادقاً لنحن شر من الحمير!"، فسمعه عمير بن سعد وكان غلاماً يتيماً في حجره، فقال له: "والله يا جلاس إنك لأحب الناس إليّ وأحسنهم يداً عليّ، ولكنك قد قلت مقالة لئن كتمتها لأهلكن ديني، ولئن ذكرتها لأقطعن رحمي، ولأحدهما أهون عليّ من الآخر"، فذهب عمير فأخبر رسول الله ﷺ، فدعا النبي ﷺ الجلاس، فحلف بالله ما قال ذلك وإن عميراً لكاذب، فأنزل الله تبارك وتعالى كشف كذبه وتبرئة عمير بن سعد، فأنزل الله الآية: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ}.
تفسير السلف للرضا المذكور: بيّن الطبري وابن كثير والقرطبي أن المنافقين لم يكن يعنيهم رضا الله تبارك وتعالى ولا رضا رسوله ﷺ في باطن الأمر، بل كان كل همهم وشغلهم الشاغل هو كسب رضا المؤمنين درءاً لفضيحتهم وحقناً لدمائهم وأموالهم، فأكذبهم الله بأن المؤمن الحق إنما يجعل رضا الله ورسوله هو غايته العظمى ومقصده الأسمى.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
الإفراد في ضمير التثنية (يُرْضُوهُ):
إشكال لغوي ونحوي مشهور: الظاهر في العطف بالواو في قوله: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ} أن يقال في التثنية: "أحق أن يرضوهما"، فلماذا أُفرد الضمير فقال: {أَن يُرْضُوهُ}؟
أجاب المحققون من أئمة النحو والبيان (سيبويه، الفراء، الزمخشري، ابن الأنباري) بعدة أوجه جامعة:
تلازم الرضيين ووحدتهما: إن رضا الرسول ﷺ هو عين رضا الله، ورضا الله مقرون بطاعة رسوله، كما قال تعالى: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}، فصار الرضيان شيئاً واحداً متلاحماً لا ينفصل، فعاد الضمير مفرداً للدلالة على هذا التلازم التام.
عود الضمير إلى الله تعالى أصالة، ورضا الرسول داخل فيه تبعاً وضمنياً، أو عوده إلى المذكور الأقرب أو الأرفع تقديراً للمقام الأقدس.
من باب الحذف لدلالة الكلام عليه، وتقديره: واللهُ أحق أن يُرضوه، ورسولُه أحق أن يُرضوه، فحذف أحدهما اكتفاء بالآخر كقول الشاعر: "نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ والرأي مختلف".
الإعراب المفصل:
"يَحْلِفُونَ": فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل.
"بِاللَّهِ": جار ومجرور متعلق بـ "يحلفون".
"لَكُمْ": جار ومجرور متعلق بـ "يحلفون".
"لِيُرْضُوكُمْ": اللام لام التعليل، "يرضوكم" فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه حذف النون، والواو فاعل، والكاف ضمير متصل في محل نصب مفعول به، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ "يحلفون".
"وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ": الواو استئنافية، "اللهُ" مبتدأ مرفوع، الواو عاطفة، "رسولُه" معطوف على لفظ الجلالة مرفوع بالضمة، والهاء مضاف إليه.
"أَحَقُّ": خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
"أَن يُرْضُوهُ": "أن" حرف مصدري ونصب، "يرضوه" مضارع منصوب بحذف النون، والواو فاعل، والهاء مفعول به، والمصدر المؤول (إرضاؤه) في محل جر بحرف جر محذوف (بأن يرضوه) متعلق بـ "أحق".
"إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ": "إن" حرف شرط جازم، "كانوا" فعل ماض ناقص مبني على الضم في محل جزم فعل الشرط، والواو اسمه، "مؤمنين" خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجواب الشرط محذوف يفسره ما قبله؛ أي: إن كانوا مؤمنين حقاً فليرضوا الله ورسوله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح التناقض القلبي والسلوكي: الآية تميط اللثام عن التناقض الصارخ لدى المنافقين؛ فهم يتوسلون بالأيمان الكاذبة لاسترضاء المخلوق الضعيف، ويغفلون عن استرضاء الخالق العظيم الذي بيده مقاليد السماوات والأرض وعنده الجزاء والحساب.
التذييل الشرطي في {إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ}: تعليق الحكم على الشرط فيه تهكم وتبكيت بالغ لهم؛ إذ لو كان في قلوبهم أدنى مسكة من الإيمان لعلموا أن إرضاء الله ورسوله هو رأس الأمر وسنامه، ولكن لما تجردت قلوبهم من الإيمان الحقيقي صار همهم استرضاء أعين الخلق دون نظر إلى نظر الخالق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إشراك الرسول مع الله في الرضا: يزعم بعض المشككين أن عطف الرسول على الله تعالى بالواو هنا يوهم المساواة في الألوهية والعبادة.
الدفع والمحاكمة العقلية: هذا زعم داحض وجهل مطبق بمقامات التشريع؛ فالطاعة والرضا هنا تشريعيان؛ لأن النبي ﷺ لا يشرع من تلقاء نفسه، بل هو مبلغ عن ربه، فرضاه فرع عن رضا ربه، وأمره صادر عن أمر الله: {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ}. وإفراد الضمير في {يُرْضُوهُ} هو في حد ذاته أبلغ رد يدفع توهم المشاركة المستقلة، إذ جعل الغاية واحدة لا تتجزأ، وهي ابتغاء مرضاة الله بإتباع نبيه ومصطفاه ﷺ.
المقابلة بين الرضا الزائف والرضا الحق: قابل النظم البليغ بين مسعى المنافقين الدنيوي الرخيص: {لِيُرْضُوكُمْ}، وبين الواجب الإيماني العقدي العظيم: {وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ}، لإبراز خسة موازين النفاق وعلو موازين الإيمان.
صيغة التفضيل (أَحَقُّ): تدل على الأولوية المطلقة والوجوب الحتمي الذي لا تدانيه أي رعاية لخاطر مخلوق أو نيل رضاه إذا تعارض مع أمر الله ورسوله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التخلص من داء إرضاء الناس بسخط الله: الآية قاعدة إيمانية كبرى في التوحيد والإخلاص؛ فالمؤمن لا يداهن في دينه ولا يبيع عقيدته أو مبادئه ليحظى برضا الناس وثنائهم؛ ففي الحديث الصحيح عند الترمذي وغيره: "من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس".
الميزان التربوي للولاء: تربية المسلم على تقديم مرضاة الله ورسوله على كل قرابة وصداقة وحظ نفسي دنيوي زائل.