أسباب النزول ومرويات الباب: توكيد وتثبيت للبشارة الإلهية السابقة للمؤمنين المهاجرين والمجاهدين؛ لبيان أن هذا النعيم الموعود سرمدي لا ينقطع، وأن جوار الله هو غاية الجزاء. أخرج البخاري (رقم: 6548)مصدر غير محددحديث رقم ٦٥٤٨ ومسلم (رقم: 2849)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٤٩ عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «يُؤْتَى بِالمَوْتِ كَهَيْئَةِ كَبْشٍ أَمْلَحَ، فَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، ثُمَّ يُنَادِي: يَا أَهْلَ النَّارِ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ، فَيَقُولُ: هَلْ تَعْرِفُونَ هَذَا؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هَذَا المَوْتُ، وَكُلُّهُمْ قَدْ رَآهُ، فَيُذْبَحُ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ فَلَا مَوْتَ».
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 188)جامع البيانالطبري١٤/١٨٨: ماكثين في تلك الجنات أبداً لا يخرجون منها، ولا يموتون فيها، ولا يتحولون عنها؛ إن الله عنده لخلقه المطيعين أجر عظيم لا يبلغه قدر ولا يحيط به وصف.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 127)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٢٧: أكد خلودهم بـ {أَبَدًا} للدلالة على استمرار النعيم وعدم انقطاعه، وختم الآية ببيان أن خزائن الأجر عند الله لا تنفد؛ فمن قدم القليل في الدنيا نال الكثير العظيم في الآخرة.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 117)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/١١٧: الخلود هو البقاء الدائم، وذكر الأبدية نفي لأي احتمال للانتقال أو التحول؛ وفي هذا غاية طمأنينة النفس؛ فإن النفس إذا علمت دوام النعيم صفا لها عيشها.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 333)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٣٣: وصف الأجر بالعظيم لعظم من صدر منه وهو الله الملك العظيم، ولعظم صفته وثمرته؛ فهو أجر لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
خَالِدِينَ: جمع خالد، وهو الباقي المقيم إقامة مستمرة لا زوال لها.
أَبَدًا: ظرف زمان لاستغراق المستقبل من الزمان إلى ما لا نهاية.
أَجْرٌ عَظِيمٌ: الأجر هو الجزاء والعوض المستحق على العمل؛ ووصفه بـ عظيم لبيان فخامته وسعته.
الإعراب التفصيلي:
خَالِدِينَ: حال منصوبة بالياء لأنها جمع مذكر سالم، وصاحب الحال الضمير في (لهم) أو المبتدأ في الآية السابقة.
فِيهَا: جار ومجرور متعلق بـ خالدين.
أَبَدًا: ظرف زمان منصوب بالفتحة الظاهرة متعلق بـ خالدين.
إِنَّ اللَّهَ: إن حرف مشبه بالفعل، ولفظ الجلالة اسمها منصوب.
عِندَهُ: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، والهاء مضاف إليه.
أَجْرٌ: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
عَظِيمٌ: نعت لـ أجر مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية (عنده أجر عظيم) في محل رفع خبر إن.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إحكام التأمين النفسي الأبدي: النعيم الدنيوي مهما عظم ينغصه خوف زواله بالموت أو المرض أو الفراق؛ فلما وصف نعيم الجنة بالمقيم في الآية (21)، أتبعه هنا بالتصريح القاطع: {خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا}، ليرفع كل هواجس الفناء عن قلوب المؤمنين.
التعليل بملكية الأجر عند الله: ختم المقطع بـ {إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} لربط القلوب بمصدر العطاء المطلق؛ فما دام الأجر عند الله الغني الكريم، فلا يخشى نقصانه ولا انقطاعه أبداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناسب بين العمل المحدود والجزاء الأبدي الخالد:
كيف يثاب العبد بنعيم أبدي لا نهاية له على عمل محدود في سنوات معدودة في الدنيا (خمسين أو ستين سنة)؟
الرد والمحاكمة العقدية السنية:
الجزاء الأخروي في الإسلام فضل ورحمة من الله تعالى وليس معاوضة ميكانيكية مادية محضة؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ الجَنَّةَ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ» (صحيح البخاري، رقم: 5673)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٥٦٧٣.
المؤمن أخلص نيته لله عز وجل على أن يعبده ويطيعه أبد الآبدين لو عاش أبداً، فكافأه الله على "صدق النية الدائمة" بالنعيم الدائم الأبدي؛ كما أن الكافر عزم على الكفر أبد الآبدين فعوقب بالخلود في النار على نيته الدائمة.
الحال المؤكدة بـ {أَبَدًا}: التأكيد بظرف الأبدية لدفع أي احتمال للمجاز في لفظ الخلود؛ ليكون نصاً صريحاً في دوام البقاء بلا انتهاء.
التنكير في {أَجْرٌ عَظِيمٌ}: تنكير تعظيم وتفخيم، ووصفه بالعظيم من العظيم يدل على أنه عظيم في كميته، عظيم في كيفيته، عظيم في آثاره وبركته.
التقديم في {عِندَهُ}: تقديم الظرف لإفادة الحصر والتطمين؛ أي لا تطلبوا الأجر من غيره، ولا تبتغوا الوجاهة عند المخلوقين؛ فالأجر الحقيقي العظيم لا يملكه إلا الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الاستهانة بمشاق الطريق: من علم ما يطلب هان عليه ما يبذل؛ فرؤية مشهد الخلود الأبدي والنعيم المقيم تهوّن على المجاهد آلام الجراح، وعلى الداعية مشاق الصبر، وعلى العابد مجاهدة النفس.
التجرد لله في العمل: الأجر الحقيقي مدخر عند الله وحده، ومن طلب عوض عمله في الدنيا فاته الأجر العظيم في الآخرة.